في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في قطاع غزة وتتراجع القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، عاد ملف إدارة القطاع إلى الواجهة من بوابة مطالبة المكتب الإعلامي الحكومي بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع وبدء مهامها بصورة فورية.
المطالبة، التي صدرت الثلاثاء، لا تبدو مجرد دعوة إدارية، بل تعكس أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب: من يدير غزة، ومن يملك القدرة الفعلية على تنفيذ الإدارة الانتقالية على الأرض؟
وقال المكتب الإعلامي الحكومي إن اللجنة باتت مطالبة بالحضور إلى القطاع “دون تأخير”، مؤكدا اكتمال الترتيبات الإدارية والقانونية واللوجستية اللازمة لنقل المهام إليها، وداعيا الأطراف المعنية والمجتمع الدولي إلى تسهيل دخولها.
لجنة تكنوقراط أمام اختبار الواقع
اللجنة الوطنية لإدارة غزة تشكل جزءا أساسيا من ترتيبات المرحلة الانتقالية التي أقرتها خطة إنهاء الحرب، إذ ينص قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 على إنشاء إدارة انتقالية تقوم على لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية، تتولى إدارة الخدمات المدنية والشؤون اليومية في القطاع.
وتتولى اللجنة، برئاسة علي شعث، مسؤولية إدارة الجهاز المدني والخدمات العامة، في إطار منظومة انتقالية أوسع تشمل “مجلس السلام” وقوة الاستقرار الدولية وهياكل أخرى مرتبطة بتنفيذ الخطة.
وبحسب الأمم المتحدة، عقدت اللجنة اجتماعها الافتتاحي في القاهرة في 15 يناير/كانون الثاني 2026، وبدأت التحضير للإشراف على عمليات الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار، لكنها ظلت تعمل من خارج القطاع بدلا من ممارسة مهامها ميدانيا داخله.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: اللجنة موجودة من الناحية المؤسسية، لكنها لم تتحول بعد إلى سلطة إدارية فاعلة داخل المكان الذي يفترض أن تديره.
لماذا الآن؟
تأتي الدعوة في وقت تتسع فيه الفجوة بين الحاجة إلى إدارة مدنية قادرة على العمل وبين القدرة الفعلية على تقديم الخدمات.
فالحرب خلفت دمارا هائلا في البنية التحتية، فيما تقدر أحدث تقييمات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.5 مليار دولار.
وفي مثل هذا الواقع، لا تحتاج غزة إلى ترتيبات سياسية فقط، بل إلى إدارة تستطيع التعامل يوميا مع ملفات المياه والكهرباء والصحة والتعليم والإيواء والنظافة والبلديات، فضلا عن تنظيم المساعدات والاستعداد لمرحلة إعادة الإعمار.
ولهذا فإن بقاء اللجنة خارج القطاع يعني عمليا تأجيل انتقال الإدارة في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى وجود جهة مدنية واضحة تتحمل المسؤولية.
حل الحكومة السابقة.. خطوة باتجاه التسليم
وتكتسب مطالبة المكتب الإعلامي أهمية إضافية في ضوء الخطوات التي اتخذت خلال يوليو/تموز الماضي لتهيئة انتقال الإدارة.
فقد أعلنت الجهات الحاكمة في غزة حل لجنة الطوارئ الحكومية ونقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية، في خطوة قُدمت باعتبارها جزءا من ترتيبات تسليم إدارة القطاع.
ومن الناحية السياسية، يعني ذلك أن هناك محاولة لإزالة أحد أبرز العوائق أمام تشكيل إدارة انتقالية جديدة.
لكن نقل الصلاحيات على الورق لا يعني بالضرورة انتقال السلطة فعليا. فالمعضلة الأهم تبقى في القدرة على دخول القطاع وممارسة الاختصاصات على الأرض.
العقدة ليست إدارية فقط
من السهل النظر إلى المسألة باعتبارها مشكلة لوجستية تتعلق بدخول أعضاء اللجنة إلى غزة، لكن خلف ذلك صراعا أكبر يتعلق بالسيادة والأمن وشكل السلطة التي ستظهر في القطاع.
فخطة المرحلة الانتقالية تضع الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية ضمن هيكل دولي أوسع، مع إشراف “مجلس السلام” على الترتيبات الانتقالية وبرامج إعادة الإعمار، إلى جانب قوة استقرار دولية.
وهذا يعني أن دخول اللجنة إلى غزة لن يكون مجرد انتقال لموظفين إداريين، وإنما خطوة ستحدد عمليا كيفية تطبيق نموذج الحكم الانتقالي الذي جرى الاتفاق عليه دوليا.
ومن هنا يمكن فهم حساسية مسألة الدخول: من يفتح الطريق أمام اللجنة، ومن يوفر لها الحماية، ومن يضمن أن قراراتها ستنفذ؟
بين الحاجة الإنسانية وحسابات السياسة
الضغط من أجل دخول اللجنة يتزامن مع وضع إنساني شديد الصعوبة، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي تحدث عن مئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في ظروف لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وفي المقابل، فإن إعادة بناء المؤسسات المدنية لا يمكن فصلها عن الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيدا، وفي مقدمتها السيطرة على المعابر، وحركة السكان، والمساعدات، وإعادة الإعمار، ومستقبل الأجهزة الأمنية والسلاح.
ولهذا فإن أي إدارة انتقالية ستجد نفسها أمام مهمة مزدوجة: توفير الخدمات للسكان من جهة، والعمل داخل ترتيبات سياسية وأمنية شديدة التعقيد من جهة أخرى.
ماذا يعني دخول اللجنة إلى غزة؟
إذا تمكنت اللجنة الوطنية من الدخول ومباشرة عملها، فقد يشكل ذلك بداية فعلية للانتقال من مرحلة إدارة الحرب وتداعياتها إلى مرحلة إدارة ما بعد الحرب.
لكن نجاحها لن يقاس بمجرد وصول أعضائها إلى القطاع، بل بقدرتها على بناء جهاز إداري يعمل فعليا، وتأمين الخدمات، والتعامل مع المانحين، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، والأهم امتلاك مساحة كافية من الحركة والاستقلال الإداري لتنفيذ مهامها.
كما أن نجاحها سيبقى مرتبطا بمدى التزام الأطراف الدولية والإقليمية بتوفير الظروف اللازمة لعملها.
غزة تنتظر أكثر من لجنة
المشكلة التي تواجه اللجنة الوطنية اليوم تختصر مأزق المرحلة الانتقالية بأكملها.
فهناك اتفاق دولي على إطار للحكم الانتقالي، ولجنة فلسطينية أُنشئت بالفعل، وترتيبات قانونية وإدارية يجري استكمالها، لكن الانتقال من النصوص إلى الواقع لا يزال متعثرا.
وفي قطاع مدمر يحتاج إلى إعادة إعمار تقدر كلفتها بأكثر من 71 مليار دولار، لا تستطيع الإدارة المدنية الانتظار طويلا.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: متى تدخل اللجنة الوطنية إلى غزة؟
بل أصبح: هل تستطيع هذه اللجنة، بمجرد دخولها، أن تتحول من جسم إداري انتقالي إلى سلطة مدنية قادرة على إدارة القطاع فعليا، أم ستبقى رهينة الترتيبات الأمنية والسياسية التي تحيط بها؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط شكل الإدارة المقبلة في غزة، وإنما أيضا قدرة خطة ما بعد الحرب برمتها على الانتقال من مرحلة الاتفاقات والبيانات إلى مرحلة الحكم وإعادة الإعمار على الأرض.






