عملية إطلاق النار في القدس، التي أسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين وإصابة خمسة عشر آخرين، مثّلت من الناحية الميدانية ضربة قوية للمنظومة الأمنية الإسرائيلية في قلب المدينة، لكنها في الوقت ذاته أعادت تسليط الضوء على نمط تعامل حركة حماس مع الأحداث، وهو تعامل يثير الكثير من علامات الاستفهام. فالحركة سارعت، كما جرت العادة، إلى إصدار بيان “مباركة” للعملية، واعتبارها “ردّاً طبيعياً” على جرائم الاحتلال، دون أن تقرن هذا الموقف بأي خطوات عملية تعكس استعداداً حقيقياً للتضحية بما هو أكثر من البيانات الدعائية.
تصعيد الاشتباك
في اللحظة التي ينهار فيها الواقع الإنساني في غزة، وتُقصف الأحياء والمخيمات بشكل شبه يومي، ويواجه أكثر من مليوني إنسان خطر المجاعة والتشريد الكامل، تبدو بيانات حماس فارغة المضمون. فالحركة، التي لا تتوقف عن دعوة “الجماهير إلى تصعيد الاشتباك”، تكتفي بترديد الشعارات فيما تبقى قدرتها على الفعل العسكري محصورة أو مجمدة، سواء بفعل الضربات الإسرائيلية أو بحسابات سياسية داخلية. هذا التناقض يجعل “البيانات” أقرب إلى محاولة لإثبات الوجود في الوعي الجماهيري، لا استراتيجية فعلية لتغيير الواقع.
الأخطر من ذلك أن حماس، رغم الكلفة البشرية الهائلة التي دفعها سكان القطاع، لا تزال ترفض التفكير في الخيارات الجوهرية التي قد تنقذ غزة من مصيرها الكارثي. وأبرز هذه الخيارات هو الدخول في مسار واضح لنزع سلاحها مقابل رفع الحصار وإعادة الإعمار. فالمعادلة باتت مكشوفة: استمرار السلاح يعني استمرار الذريعة الإسرائيلية لتدمير القطاع، بينما غياب رؤية سياسية واضحة من جانب حماس يترك سكان غزة تحت رحمة آلة الحرب الإسرائيلية بلا حماية حقيقية.
بيانات حماس صدى فارغ
الخطاب الذي تصر الحركة على ترديده يحمّل الفلسطينيين أثماناً باهظة من دون أن يحقق مكاسب ملموسة. فمنذ أكثر من عامين والحرب على غزة تدمر الحجر والبشر، فيما فشلت حماس في حماية المدنيين أو وقف الانهيار الاقتصادي والإنساني. وإذا كان الهدف من هذه “البيانات” هو تعزيز المعنويات، فإنها في الواقع تُعمّق فجوة الثقة بين الحركة وجمهورها، الذي لم يعد يرى في الشعارات بديلاً عن الأمان والعيش الكريم.
تكشف عملية القدس وردّ حماس عليها أن الحركة لا تزال أسيرة خطابها التقليدي القائم على التمجيد الرمزي للمقاومة دون حساب النتائج الكارثية على الأرض. وبينما تُستنزف غزة حتى حدودها القصوى، فإن غياب الجرأة السياسية من حماس في اتخاذ خطوات جادة – مثل إعادة النظر في جدوى السلاح أو تقديم مشروع وطني بديل – يجعل بياناتها مجرد صدى فارغ أمام حجم الكارثة. وإذا لم تبادر الحركة إلى مراجعة استراتيجيتها بصدق، فإنها لن تفقد فقط القدرة على قيادة المشهد الفلسطيني، بل ستتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن بقاء غزة في دائرة الدمار المستمر.






