في سياق الحرب الكارثية التي يعيشها قطاع غزة منذ أكثر من عشرة أشهر، تواصل حركة حماس إطلاق الدعوات لتصعيد الحراك الجماهيري العالمي، مطالبة الشعوب بالنزول إلى الشوارع نصرة لغزة والقدس والأسرى، فيما تمتنع في الوقت نفسه عن اتخاذ أي خطوات عملية من شأنها تخفيف الكارثة الإنسانية أو إنقاذ ما تبقى من القطاع، متمسكة بخطاب المواجهة الكاملة ورافضة تقديم أي تنازل سياسي، حتى وإن كان الثمن آلاف الأرواح والدمار الكامل للبنية التحتية.
الحركة تواصل خطابها التعبوي المعتاد
من حيث المبدأ، لا يمكن التقليل من أهمية التحركات الشعبية الدولية، ولا من جدوى الضغط السياسي والرأي العام العالمي في كبح عدوان الاحتلال الإسرائيلي. غير أن إصرار قيادة حماس على استخدام هذه الورقة كأداة وحيدة، دون أن تقابلها برؤية واقعية لإنهاء الحرب، يثير تساؤلات حقيقية حول طبيعة أهداف الحركة وأولوياتها في هذه المرحلة الحرجة. فبينما تتفاقم المجاعة وينهار القطاع الصحي وتُباد عائلات بكاملها، تواصل الحركة اعتماد خطابها التعبوي المعتاد، دون إبداء أي مرونة يمكن أن تفتح طريقاً نحو وقف إطلاق النار أو التوصل لتسوية مؤقتة تحفظ حياة المدنيين.
من اللافت أن البيانات الصادرة عن الحركة لا تأتي مقترنة بأي طرح عملي لإنهاء المعاناة، ولا تتضمن أي مؤشرات على استعدادها للدخول في تسويات أو مراجعة خياراتها السياسية والعسكرية. فالحركة، التي تصر على تقديم نفسها ممثلاً للمقاومة ومرجعية للمظلومية الفلسطينية، تكتفي بتصدير المعاناة إلى العالم الخارجي، دون الاعتراف بمسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه سكان القطاع، الذين يعيشون اليوم تحت وطأة حصار مزدوج: خارجي إسرائيلي، وداخلي سياسي فرضته حسابات فصائلية ضيقة.
تعنت يدفع ثمنه الأبرياء
لقد بات واضحاً أن حركة حماس ترفض التنازل لا حرصاً على الثوابت الوطنية فحسب، بل دفاعاً عن كيانها السياسي وهيكلها التنظيمي، الذي قد ينهار إذا اضطرت لتقديم تنازلات تمس سلطتها أو موقعها في معادلة الحكم. والمفارقة أن الحركة، التي تطالب العالم بوقف الإبادة، لا تظهر الاستعداد للانخراط في مفاوضات تقود إلى وقف إطلاق النار، ما يجعل خطابها أكثر قرباً من استثمار سياسي في الدماء، منه إلى مشروع إنقاذ فعلي لشعب يحتضر.
إن التمسك بالمواقف القصوى في ظل دمار غير مسبوق، ورفض الانخراط في أية تسوية أو مبادرة، بحجة عدم تقديم تنازلات للعدو، لم يعد يُقرأ باعتباره صموداً، بل يُنظر إليه كتعنت منفصل عن الواقع، يدفع ثمنه الأبرياء وحدهم. والمفارقة أن معظم أطراف المجتمع الدولي، بما فيها قوى داعمة تقليدياً للحقوق الفلسطينية، باتت تعتبر أن حماس تُسهم في إطالة أمد المأساة، سواء من خلال رفض المبادرات أو التعاطي مع الحلول المرحلية.
حماس تضحي بالمدنيين
وبينما ترتفع أعداد الشهداء إلى أكثر من 204 آلاف فلسطيني بين قتيل وجريح، وتُفقد آلاف الأسر مساكنها ومعالم حياتها، يبقى خطاب حماس حبيس التكرار، يكتفي بوصف حجم الإبادة دون أن يخطو خطوة ملموسة لوقفها. فهل باتت الحركة رهينة لشرعية تستمدها من استمرار الحرب، حتى لو كان ثمنها تدمير غزة بالكامل؟
أمام هذه الكارثة، لا بد من وقفة مسؤولة، تتجاوز البروباغندا والمزايدات، لصالح خيار وطني جامع يُنقذ ما تبقى من غزة، ويضع مصلحة الإنسان الفلسطيني فوق الحسابات الفصائلية. ذلك أن العالم لن يتحرك من تلقاء نفسه ما لم تفتح له الأطراف المعنية نافذة للحل، وما لم تتوقف حماس عن تحميل الآخرين وحدهم مسؤولية ما يحدث، فيما تتقاعس هي عن اتخاذ خطوات موجعة لكن ضرورية لإنقاذ شعبها من الجوع والموت.






