لم تعد المعارك تقتصر على خطوط النار الميدانية، بل انتقلت إلى أروقة المحاكم الدولية وصياغات الاتفاقات الأمنية، بالتوازي مع تدافع المحاور في الخليج، ومساعي تفكيك شبكات النفوذ المالي. هذا التشابك يعيد هندسة موازين القوى من مضيق هرمز وصولاً إلى عمق الجنوب اللبناني، وسط مخاوف من تحول بنود التهدئة إلى حصانة قانونية ومناطق عازلة تفرض واقعاً جغرافياً جديداً.
لغز “البند 13”.. هل يمنح الاتفاق الإطاري حصانة لإسرائيل؟
بينما تتواصل المساعي لتطبيق الاتفاق الإطاري بين بيروت وتل أبيب، تجاوز الجدل في الأوساط اللبنانية الترتيبات العسكرية المباشرة لينفجر سؤال قانوني وسياسي شائك حول “البند الثالث عشر” من الاتفاق. هذا البند، الذي ينص على تعهد الطرفين باتخاذ إجراءات بحسن نية لوقف جميع “الأعمال العدائية أو الضارة” في المحافل السياسية والقانونية الدولية، أثار مخاوف حقوقية واسعة -وفق تقرير أعده الصحفي أحمد فال ولد الدين- من أن يتحول إلى أداة لتقييد حق الدولة اللبنانية وذوي الضحايا في ملاحقة إسرائيل قضائياً على ممارساتها خلال الحرب.
وفي حين تصر الحكومة اللبنانية على أن الاتفاق ينبغي النظر إليه في إطار هدفه الأساسي المتمثل في استكمال الانسحاب الإسرائيلي وتمكين الجيش من بسط سيادته في الجنوب، ترى أوساط حقوقية وقانونية أن التفسير الفضفاض لوقف “الأعمال الضارة” قد يقوّض مسارات المساءلة الدولية. ويأتي هذا الجدل المتصاعد بالتزامن مع إيفاد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فريقاً تقنياً إلى لبنان لتقييم وتوثيق آثار الضربات، والتي يصنفها نظام روما الأساسي كجرائم حرب لا تسقط بالتقادم؛ وفي مقدمتها التدمير الواسع للبلدات والأحياء السكنية دون ضرورة عسكرية، واستهداف المنشآت الحيوية كالطرق والجسور، فضلاً عن التهجير القسري لأكثر من مليون مواطن، واستهداف الفئات المحمية كالصحفيين والمسعفين.
ولم تكن هذه الهواجس القانونية بمعزل عن الميدان؛ إذ ربطت تل أبيب استكمال “الانسحاب التجريبي” المؤجل من بلدات مثل زوطر وفرون ببلورة آلية مراقبة أمنية مشتركة تخضع لتدقيق أمريكي، وسط إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس من قلب الحدود، أن قواته لن تغادر الجنوب ما دام سلاح حزب الله حاضراً، مؤكداً فرض مفهوم أمني يرتكز على إنشاء “مناطق عازلة” في العمق اللبناني على غرار نموذج قطاع غزة، مدعوماً ببيانات تفيد بتقليص الترسانة الصاروخية للحزب إلى 8% فقط وتحييد 9 آلاف من مقاتليه.

المقصلة المالية الأمريكية وكواليس “الحرب الملغاة” في واشنطن
هذا الحصار الجغرافي في الجنوب تزامناً مع الضغط القانوني، رافقه هجوم مالي وصف بالأعنف من وزارة الخزانة الأمريكية لحماية مفاعيل الاتفاق الإطاري؛ حيث فرضت واشنطن عقوبات شملت 5 كيانات و16 مسؤولاً بارزاً في البنية التحتية المالية لحزب الله، وعلى رأسهم إبراهيم علي ضاهر مدير وحدة التمويل المركزية، وإدارتي مؤسستي “القرض الحسن” و”بيت المال”، بتهمة إدارة قنوات موازية عبر شبكات الذهب والصيرفة لتحريك أكثر من 500 مليون دولار على مدار عقد كامل عبر بنوك لبنانية وأمريكية، وهو ما اعتبرته واشنطن خطوة ضرورية لقطع “الأكسجين المالي” ومنع إعادة تمكين الفصائل المسلحة، في وقت حذر فيه منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة عمران ريزا من أن أزمة النزوح تحولت إلى انهيار اقتصادي بنيوي يخنق سوق العمل اللبناني.
وعلى الضفة المقابلة من المشهد الإقليمي، كشفت تسريبات صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الرئيس دونالد ترمب ناقش بجدية مع وزير دفاعه بيت هيغسيث ورئيس الأركان الجنرال دان كين خيار التخلي عن المفاوضات والعودة إلى حرب شاملة مع إيران، قبل أن يتراجع ويفضل المسار الدبلوماسي مستنداً إلى تقارير نائبه جيه دي فانس بشأن استقرار حركة الملاحة. وفي حين أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو الكونغرس بأن الإدارة تمنح الدبلوماسية فرصتها بلا أوهام، حذرت الخارجية الإيرانية من أن أي تلكؤ أمريكي في تنفيذ التزامات مذكرة التفاهم سيواجه برد فوري، وسط أزمة حقوقية مكتومة كشفتها وكالة “أسوشيتد برس” بشأن رفض البيت الأبيض الإقرار علناً بتحقيقات البنتاغون التي تثبت مسؤولية القوات الأمريكية عن ضربة فادحة استهدفت مدرسة في مدينة “ميناب” الإيرانية وتسببت في سقوط عشرات الضحايا من الأطفال.
رادار الدوحة والتقديرات الإقليمية لأمن الملاحة
أمام تذبذب مواقف القوى الكبرى، تقود العاصمة القطرية ووساطة ماراثونية لتحصين مذكرة التفاهم الموقعة برعاية قطرية-باكستانية بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي قبل مهلة 18 أغسطس المقبل؛ حيث جمعت لقاءات مكثفة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ورغم تصريحات ترمب الحذرة بأن اجتماع الدوحة “قد يكون مهماً وقد لا يكون”، ونفي طهران لعقد لقاءات مباشرة، أوضح المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن التباحث يقتصر حالياً على الوسطاء، مؤكداً أن الأموال الإيرانية البالغة 6 مليارات دولار لا تزال مجمدة وتخضع لاتفاق 2023 الإنساني.
وتتزامن هذه التطورات مع تفعيل خط اتصال مباشر بالتنسيق مع سلطنة عمان لحماية حركة السفن في مضيق هرمز، وهو ذات الملف الذي دفع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإجراء اتصال بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للتأكيد على حرية الملاحة، قبيل تلبيته دعوة حضور مراسم دفن المرشد الإيراني الراحل الأسبوع المقبل. وفي سياق متصل بالقراءات الإستراتيجية، تفكك أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية عبر دراسة موسعة عقيدة المواجهة الجيوسياسية بين واشنطن وتل أبيب وطهران، مع التركيز على دور الذكاء الاصطناعي، والمسيّرات الانتحارية، واقتصاديات الذخيرة، في محاولة من أنقرة للتكيف مع الحروب الشبكية القادمة التي تعيد رسم توازنات القوى في المنطقة.






