تشهد العلاقات الجزائرية – الفرنسية مرحلة جديدة من التوتر السياسي والدبلوماسي، بعد تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح لائحة تدعو إلى إلغاء اتفاق الهجرة الموقع بين البلدين عام 1968، وهو الاتفاق الذي ينظم أوضاع المهاجرين الجزائريين في فرنسا في ما يتعلق بالإقامة والعمل ولمّ الشمل والدراسة. وقد أثار هذا التصويت، الذي جاء بفارق صوت واحد فقط، موجة من الجدل داخل فرنسا وخارجها، لما يحمله من رمزية تاريخية وحساسية سياسية، إذ يمثل هذا الاتفاق أحد أبرز الروابط القانونية التي بقيت قائمة بين باريس والجزائر بعد الاستقلال.
توجه دبلوماسي جديد
رد الجزائر جاء سريعًا ومضبوطًا من خلال تصريحات وزير الخارجية أحمد عطاف، أمس الأحد، في مقابلة مع التلفزيون العمومي، الذي حرص على التقليل من أهمية الخطوة الفرنسية على الصعيد الرسمي، مؤكدًا أن ما يجري هو شأن داخلي فرنسي بحت يرتبط بالتجاذبات السياسية والانتخابية داخل باريس، أكثر مما يعكس توجهًا دبلوماسيًا جديدًا تجاه الجزائر. وصف عطاف المسعى الفرنسي بأنه “منافسة انتخابية مبكرة” مرتبطة بالاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، مشيرًا إلى أن الحكومة الجزائرية لم تتلقّ أي إخطار رسمي من الجانب الفرنسي بخصوص إلغاء أو تعديل الاتفاق.
في المقابل، لا يمكن النظر إلى هذا الموقف بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقات المتوترة بين البلدين، والتي عرفت في السنوات الأخيرة سلسلة من الأزمات المتلاحقة، بدءًا من الجدل التاريخي حول الذاكرة الاستعمارية، مرورًا بمسألة التأشيرات والهجرة، ووصولًا إلى المواقف المتباينة من قضايا إقليمية كالنزاع في الصحراء الغربية. وقد زادت حدة التوتر بعد اعتراف باريس، في صيف 2024، بسيادة المغرب على الصحراء، وهو قرار اعتبرته الجزائر انحيازًا صريحًا للموقف المغربي على حساب الشرعية الدولية.
انقسام داخل الساحة السياسية الفرنسية
يُعدّ اتفاق 1968، الذي يرغب اليمين المتطرف وبعض القوى السياسية الفرنسية في نقضه، وثيقة فريدة من نوعها تمنح الجزائريين معاملة تفضيلية مقارنة ببقية الأجانب في فرنسا. فالاتفاق يسهل حصولهم على إقامات طويلة الأمد ويضمن حقوقًا في العمل والتنقل ولمّ الشمل، استنادًا إلى العلاقات التاريخية الخاصة بين البلدين. إلا أن هذا الوضع بات موضع انتقاد متزايد من التيارات اليمينية التي تعتبره امتيازًا غير مبرّر يتعارض مع مبدأ المساواة بين جميع الأجانب، فضلاً عن اعتباره عبئًا ماليًا على الدولة الفرنسية.
وقد استند تقرير برلماني فرنسي حديث إلى تقديرات تقول إن الاتفاق يكلف فرنسا نحو ملياري يورو سنويًا، وهو ما وصفه الوزير عطاف بأنه “أرقام وهمية لا أساس لها من الصحة”، مؤكداً أن هذا الطرح جزء من حملة سياسية هدفها استغلال موضوع الهجرة في الخطاب الانتخابي. ويبدو أن هذا الجدل يعكس عمق الانقسام داخل الساحة السياسية الفرنسية، حيث باتت قضايا الهوية والهجرة تشكل مادة رئيسية للتنافس بين الأحزاب، ولا سيما بين اليمين المتطرف وحزب الرئيس ماكرون.
صعوبة صياغة علاقة شراكة متوازنة
بالنسبة للجزائر، فإنها تتعامل مع هذه التطورات بقدر من الحذر المحسوب. فتصريحات عطاف شددت على أن الجزائر لن تتدخل في شأن داخلي فرنسي ما لم يتحول الأمر إلى موقف رسمي صادر عن الحكومة الفرنسية. هذا الموقف يعكس رغبة الجزائر في تجنب التصعيد، لكنها في الوقت نفسه تراقب باهتمام مسار النقاش داخل فرنسا، إذ إن أي تعديل أو إلغاء للاتفاق قد ينعكس مباشرة على أكثر من مليوني جزائري مقيم في الأراضي الفرنسية، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية والثقافية التي تربط الجانبين.
في البعد السياسي الأعمق، يكشف الحدث عن استمرار ما يمكن وصفه بـ”تأرجح الذاكرة الاستعمارية” في العلاقات بين البلدين. ففرنسا لم تنجح بعد في تجاوز إرثها الاستعماري في الجزائر، ولا في صياغة علاقة شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل. كما أن الجزائر بدورها لا تزال تتعامل مع فرنسا بقدر من الحذر والريبة، معتبرة أن باريس تحاول أحيانًا توظيف العلاقات الثنائية لأغراض سياسية داخلية أو لإعادة فرض نفوذها في شمال إفريقيا. ويُلاحظ أن الجزائر، في السنوات الأخيرة، اتجهت نحو تنويع شراكاتها الدولية بالانفتاح على روسيا والصين وتركيا، وهو ما يقلق فرنسا التي ترى في ذلك تراجعًا لدورها التقليدي في المنطقة.
من جهة أخرى، تبرز تصريحات “عطاف” أن الجزائر لا تنجر وراء الحملات الشعبوية. إذ شدد على أن الجزائر لا ترى في الخطوة الفرنسية تهديدًا مباشرًا في الوقت الراهن، وأنها ستتفاعل معها فقط في حال أصبحت قرارًا حكوميًا رسميًا. هذا الموقف يعكس دبلوماسية جزائرية حذرة تسعى إلى احتواء الأزمات دون القطيعة، مع الحفاظ على ما تبقى من قنوات الحوار مع باريس.
الفصل بين الحسابات الانتخابية والسياسات الخارجية
يمكن القول إن الخلاف حول اتفاق الهجرة ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة من الأزمات البنيوية التي تطبع العلاقات الجزائرية – الفرنسية منذ عقود. فالعلاقة بين البلدين محكومة بثقل التاريخ من جهة، وبحسابات السياسة الواقعية من جهة أخرى. وتظل الجزائر حريصة على تأكيد استقلالية قرارها وسيادتها، بينما تحاول فرنسا الموازنة بين إرثها التاريخي ومصالحها في شمال إفريقيا، وسط ضغوط داخلية متزايدة من اليمين المتطرف.
إن مستقبل العلاقات بين البلدين سيتوقف على قدرة باريس على الفصل بين الحسابات الانتخابية والسياسات الخارجية، وعلى استعدادها للتعامل مع الجزائر كشريك متكافئ لا كدولة تابعة. وفي المقابل، فإن الجزائر مطالبة بالاستمرار في انتهاج سياسة هادئة وواقعية تحافظ على مصالحها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى منطق المواجهة. وفي ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن أزمة اتفاق 1968 ليست نهاية العلاقة، لكنها مؤشر على عمق الفجوة بين بلدين يجمعهما تاريخ مؤلم ومصالح متشابكة، ويفرقهما تصورات متباينة حول الماضي والمستقبل.






