الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قيادات حركة “حماس” في الدوحة يكشف مجدداً حجم الانقسام داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات تل أبيب في إدارة الحرب والمفاوضات. ما نشرته القناة “12” يوضح أن العملية لم تكن محل إجماع، بل واجهت اعتراضات حادة من شخصيات رفيعة مثل رئيس “الموساد” ديفيد برنياع، ورئيس الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر، ورئيس الأركان إيال زامير، واللواء نيتسان ألون. هؤلاء رأوا أن اختيار التوقيت والمكان قد يعرقل المسار السياسي ويقوض الدور القطري كوسيط رئيسي، خصوصاً أن الدوحة ما زالت القناة الأكثر فاعلية في محادثات وقف إطلاق النار.
إحراج استخباراتي كبير
اللافت أن برنياع نفسه اقترح تأجيل العملية أسبوعاً على الأقل إلى حين انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الممنوحة لحماس للرد على مقترح وقف إطلاق النار. ذلك يعكس إدراكاً لدى بعض الأجهزة أن أي عملية عسكرية في تلك المرحلة قد تتحول إلى عبء سياسي، وتُضعف قدرة إسرائيل على المناورة الدبلوماسية. إلا أن قرار التنفيذ اتخذ رغم التحفظات، ما يشير إلى تغليب اعتبارات الردع والمكاسب الرمزية على الحسابات الاستراتيجية الطويلة المدى.
من الناحية العملياتية، استخدمت إسرائيل 15 طائرة و12 صاروخاً لاستهداف اجتماع ضم قيادات بارزة من حماس مثل خليل الحية، زاهر جبارين، وخالد مشعل. لكن إخفاق العملية في تحقيق هدفها الأساسي، نتيجة مغادرة القادة قبل الضربة وتركهم هواتفهم المحمولة في غرفة الاجتماع، مثّل إحراجاً استخباراتياً كبيراً. هذا الفشل يطرح أسئلة حول اعتماد تل أبيب المفرط على تقنيات تتبع الهواتف، وإمكانية أن تكون حماس قد استوعبت الدروس وابتكرت وسائل تضليلية أكثر فاعلية.
معضلة إسرائيلية مزدوجة
الأبعاد السياسية تبدو أكثر تعقيداً. قطر، التي حصلت في السابق على ضمانات أميركية وإسرائيلية بعدم تنفيذ عمليات على أراضيها، اعتبرت ما جرى “خيانة مدمّرة” لدورها كوسيط. هذا الموقف قد ينعكس على انخراط الدوحة في المستقبل، سواء بتقليص حماسها للوساطة أو بتشديد شروطها، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهمات مقبولة لجميع الأطراف. أما حماس، فقد سارعت للتأكيد أن محاولة الاغتيال لن تغيّر من شروطها، وعلى رأسها وقف الحرب فوراً، انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، صفقة تبادل أسرى جدية، وإعادة إعمار القطاع. الرسالة هنا واضحة: الحركة تريد إظهار أنها لا تخضع للابتزاز العسكري وأنها لا تزال قادرة على فرض معادلتها السياسية.
العملية إذن تعكس معضلة إسرائيلية مزدوجة: فهي من جهة تسعى لتحقيق إنجازات عسكرية نوعية لإعادة ترميم قوة الردع، ومن جهة أخرى تجد نفسها تخسر أوراقاً سياسية مهمة، مثل دور قطر، وتواجه فشلاً عملياتياً يقلل من بريق هذه الضربات. كما تكشف العملية عن تباين في الرؤى داخل المؤسسة الأمنية: بين تيار يميل إلى التصعيد بغرض فرض واقع جديد بالقوة، وآخر يحذر من أن الإفراط في استخدام القوة قد يضر بالمصالح الاستراتيجية لإسرائيل على المدى الطويل.
عبء سياسي وأمني
محاولة اغتيال قادة حماس في الدوحة لم تُفض إلى إضعاف الحركة أو تعديل شروطها التفاوضية، لكنها أضعفت صورة إسرائيل لدى حلفائها وأظهرت هشاشة ثقتها بوسائلها الاستخبارية. الأخطر أنها قد تدفع الوسطاء، خصوصاً قطر، إلى إعادة النظر في مدى جدوى الاستمرار في لعب دور الوسيط في ظل خروقات تمس سيادتها مباشرة. هذا يعني أن العملية، بدلاً من أن تكون ورقة ضغط على حماس، قد تتحول إلى عبء سياسي وأمني جديد على إسرائيل في المرحلة المقبلة.






