التسريب المفاجئ الذي تورط فيه فيكتور فايس، المسؤول الرفيع في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، يشكل ضربة جديدة لصورة المنظومة الأمنية والسياسية في إسرائيل، ويكشف عن عمق الأزمة الداخلية التي تعصف بالمؤسسات منذ أحداث السابع من أكتوبر. أن يجري الكشف عن تفاصيل تحقيق حساس، يفترض أنه سري للغاية، في مكان عام وأمام عشرات الركاب في قطار، يعكس حالة من الهشاشة المؤسسية والارتباك التنظيمي، لا سيما وأن الأمر يتعلق بملف يوصف بأنه الأخطر في تاريخ إسرائيل الحديث.
قصور استراتيجي عميق
التحقيق الذي أُجري لم يقتصر على أداء حكومة واحدة، بل امتد ليغطي فترة خمسة أعوام، شملت ثلاث حكومات متعاقبة برئاسة يائير لابيد، ونفتالي بينيت، وبنيامين نتنياهو. والخلاصة التي تم تسريبها تكاد تكون إدانة شاملة للنظام الأمني الإسرائيلي، إذ أشار إلى غياب أي فروق جوهرية في السياسات الأمنية المتبعة، ما يرسخ قناعة بأن الفشل الذي كشفته هجمات السابع من أكتوبر ليس عارضاً أو نتيجة سوء تقدير ظرفي، بل هو فشل بنيوي مستمر ومتجذر في مؤسسات صنع القرار.
الأكثر خطورة في التسريب هو ما كشفه عن عقلية مجلس الأمن القومي نفسه، الذي وُصف بأنه وقع في “أسر المفاهيم المسبقة” نتيجة التعيينات الثابتة داخله. هذا يعني أن المجلس، بدل أن يكون غرفة تفكير استراتيجي قادرة على تجاوز الجمود وإنتاج حلول مبتكرة، تحول إلى جهاز يكرر أنماطاً تقليدية من التفكير، الأمر الذي أدى إلى قصور استراتيجي عميق. وهنا تبرز إشكالية غياب المرونة الفكرية وتراكم البيروقراطية داخل المؤسسات التي يفترض بها أن تكون رأس الحربة في إدارة الأزمات.
وصف التوصيات بأنها “جذرية” يعكس إدراكاً داخلياً بضرورة إعادة هيكلة شاملة في المنظومة الأمنية والسياسية، بما يشمل تغيير آليات التفكير وطبيعة التعيينات. غير أن حساسية هذه التوصيات، إذا ما تم تبنيها رسمياً، ستفتح الباب على صراع داخلي محتدم بين من يريد الحفاظ على الوضع القائم ومن يرى أن الاستمرار في النهج ذاته سيقود إلى كوارث جديدة.
خلل أمني
رفض مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي التعليق على ما نُشر ليس سوى محاولة لتفادي فتح جبهة جديدة من الجدل، خصوصاً أن اسم نتنياهو ورد ضمن الفترة الزمنية التي شملها التحقيق. هذا الصمت يزيد من الشكوك بأن نتائج التحقيق قد تكون مدانة له شخصياً، أو على الأقل كاشفة لقصور إدارته في التعامل مع التهديدات المتصاعدة قبل السابع من أكتوبر.
في المحصلة، التسريب لا يكشف فقط عن خلل أمني، بل يعكس أيضاً أزمة ثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين القيادة السياسية ومؤسساتها، ويطرح أسئلة وجودية حول قدرة إسرائيل على إعادة إنتاج منظومة أمنية أكثر فاعلية. فالقضية لم تعد مجرد إخفاق في التقدير، بل باتت متعلقة بالمنهجية والبنية الفكرية التي يقوم عليها النظام الأمني الإسرائيلي.






