تحديات كبيرة يشهدها العالم، لمواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، تتطلب تبادل الخبرات بين الدول، والبعد عن التحركات الفردية، التي لن تؤتي ثمارها أمام التنظيمات المسلحة، من المرتزقة وغيرهم ممن ينفذون أجندات لصالح تنظيمات تهدف لزعزعة الأمن والاستقرار في الدول.
وفي ضوء مكافحة الإرهاب، ووضع الخطط الاستيراتيجية لمواجهة الملف الأصعب، برزت المملكة المغربية ،كأحد النماذج التي قدمت رؤوي ونفذت خطط لمكافحة الإرهاب، في المحيطين الإقليمي والدولي، بفضل الترابط بين الحزم الأمني، والتشريع المتقدم، والإصلاح الديني، والتنمية الاجتماعية، حيث شكّل التعاون القضائي بين المغرب وكل من فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، في إطار الاتفاق الرباعي، إحدى الركائز الأساسية في تعزيز الأمن الجماعي ومواجهة التهديدات المتنامية، وهو ما أكد عليه الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، خلال الاجتماع المنعقد بالرباط.
تطوير التعاون الدولي لمواجهة الإرهاب
واستضافت المملكة المغربية، اجتماع رؤساء النيابات العامة أطراف الاتفاق الرباعي لمكافحة الإرهاب، على مدار اليومن الماضيين، وخلال كلمته، أكد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، أن الشراكة المتميزة التي تجمع بين رؤساء النيابات العامة المتخصصة بمكافحة الإرهاب بكل من المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا في إطار الاتفاق الرباعي تساهم بشكل فعال في التصدي لخطر الإرهاب ومواجهة تحدياته، وتشكل تجسيدا مثاليا للأسس التي أرستها الإستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب. حسب وكالات الأنباء.
وأوضح “بلاوي”، أن هذه الجهود ينبغي أن تستمر بالنظر لتزايد خطورة الجرائم الإرهابية المرتكبة على نطاق واسع في أرجاء العالم، والتي تجدد أساليبها وتنوع وسائلها، مشيرا إلى أهمية تظافر الجهود في هذا المجال. واعتبر أن تطوير التعاون الدولي لمواجهة الإرهاب يعتبر مسألة حتمية، لافتا إلى أن الخطر الإرهابي لا يقتصر على دولة دون أخرى فهو حلقة دائرية تتربص بكل الشعوب وتهدد جميع الدول.
وشدد على أنه لا يمكن لأي دولة مهما كانت إمكانياتها أن تواجه لوحدها هذه الظاهرة التي تمس بأمن وسلامة المجتمع الدولي، مسجلا أن مواجهة هذه الظاهرة تحتم ضرورة تفعيل آليات التعاون القضائي الدولي طبقا للإستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب لتسهيل تبادل المعلومات المتوفرة بالسرعة المطلوبة وذلك لقطع الطريق أمام الجماعات الإرهابية المتطرفة، حتى لا تتخذ من تراب أي دولة ملاذا آمنا من الملاحقة والمتابعة.
تطبيق اتفاقيات التعاون القضائي
وكشف الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، في هذا الصدد، أن التعاون القضائي في مجال مكافحة الإرهاب بين الدول الأربع يشهد تطورا ملفتا،لاسيما من خلال توظيف قضاة الإتصال لتسهيل التواصل بين النيابات العامة المتخصصة بالدول المعنية، وبالأخص منذ إنشاء اللجنة الرباعية، مبرزا أن هذا مكن الدول الأربع من التوفر على منصة ملائمة لتبادل المعلومات عن التشريعات والإجتهادات القضائية، وكذلك لتدارس القضايا المشتركة وتتبع التهديدات الإرهابية.
وأضاف أن الأمر يتعلق أيضا بالتنسيق لمواجهة التهديدات الإرهابية بالآليات القضائية المتاحة في التشريع، مشيرا إلى أن التواصل المباشر بين أعضاء النيابات الأربع المعنية يساعد على حسن تطبيق اتفاقيات التعاون القضائي، وسرعة إنجاز وتنفيذ طلبات التعاون المتعلقة بقضايا الإرهاب.
ولفت إلى أنه على الرغم من النجاعة والفعالية التي أبانت عنها مختلف التدابير القانونية والأمنية والمؤسساتية التي تم اتخاذها للتصدي لظاهرة الإهاب، إلا أن التطور النوعي للظاهرة يضع الدول والمؤسسات الأمنية والقضائية على الخصوص أمام تحديات مختلفة الأبعاد، معتبرا أن “ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، لما تتميز به من خصائص إيديولوجية وتنظيمية، تظل في الوقت الراهن التحدي الأبرز لمختلف الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية”.
ترسانة قانونية وتنظيمية
وسلط الضوء على تطور منصات وشبكات التواصل واستغلالها في الترويج والدعاية الإجرامية والتحريض مبرزا أن مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الأنترنيت العالمية أصبحت فضاء مثاليا تمارس عبره المجموعات الإرهابية أنشطتها، وذلك بفعل ما توفره من إمكانية للتواصل بطريقة سرية، وانفتاحها على جمهور عريض يتوزع في كافة أنحاء العالم.
وأشار “بلاوي” إلى أن البحث عن السبل المتاحة لمكافحة الإرهاب بكل أشكاله وتطوراته يشكل إجماعا دوليا، تبلور على شكل إتفاقيات دولية وإقليمية، وقرارات وتوصيات صادرة عن هيئة الأمم المتحدة والتي أنتجت ترسانة قانونية وتنظيمية متكاملة، تأخد في اعتباراتها الجوانب الأمنية والحقوقية، مسجلا أن لقاء اليوم يعتبر من الآليات الدولية الناجعة في هذا المجال حيث يكتسي تبادل المعلومات حول المبادرات التشريعية في مجال مكافحة الإرهاب وقواعد الإجتهاد.
وكانت المملكة المغربية، قد عانت من الإرهاب مثل العديد من الدول، كان أبرزها تفجيرات 16 أبريل 2003م بالدار البيضاء التي أحدثت شرخًا كبيرًا بقي في ذاكرة المغاربة، دون أن يمنع استعادتهم لحيويتهم وانطلاقهم سريعًا نحو محاربة الإرهاب بكل السبل، وفي هذا السياقِ، تبدو أهمية الإجابة عن بعض الأسئلة المرتبطة بالتجربة المغربية، وأهمها: كيف حاصرت المملكة المغربية بقوانينها ومؤسساتها ومقارباتها خطرَ الإرهاب؟
ووفقا للتحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب، إن الأحداث الإرهابية، على الرغم من فظاعتها، غير أنها كانت نقطة تحول مهمة في سجل التعامل المغربي مع ملف الإرهاب، ودافعًا قويًا للتفكير في إطار شامل لمحاربته يغطي الجوانب القانونية والأمنية والسياسية والدينية والاجتماعية والثقافية على نحو يمكن إيضاحه فيما يلي:-
أولاً: التعاون الإقليمي والعالمي
حرصت المملكة المغربية على أن تكون جزءًا أساسيًّا من الجهود الإقليمية والعالمية الرامية إلى محاربةِ الإرهاب، فانخرطت في عددٍ من المعاهدات والاتفاقيات ذات الصلة، إيمانًا بأهمية تعزيزِ أطرِ التعاون وتكاملِ الجهود الدولية، وكان من أبرز هذه الاتفاقيات التي وقعت عليها المملكة المغربية ما يلي:
– اتفاقية قمع تمويل الإرهاب عام2000م وتضمنت تأكيده والتزامه بالعمل على قطع خطوط تمويله المالي والعيني بكل أشكاله.
– الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل عام 2008م.
– الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي عام 2011م المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أبريل 2005م.
– اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب عام 2000م.
– الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب عام 1998م.
– الاتفاقية العربية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عام 2013م.
كما وقع أيضًا عددًا من الاتفاقيات الثنائية منها «اتفاقية التعاون في المجال الأمني ومكافحة الارهاب» الموقّعة عام 2015م بين حكومتي المغرب والإمارات العربية المتحدة. وتُظهر هذه الجهودُ إدراكَ المملكةِ المغربية لضرورةِ رفع مستويات التنسيق الإقليميّ والدوليّ فيما يتعلّقُ بمحاربة الإرهاب بمختلف صوره وأشكاله، نظرًا لطبيعةِ عملِ التنظيماتِ الإرهابية، وأهدافِها التي ترمي إلى زعزعة الأمن والاستقرار الدوليّ، وهو ما تجلّى بانضمام المملكة المغربيةِ إلى التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب.
ثانيًا: الجوانب القانونية
أقرّت المملكة المغربية قوانين وتشريعات مهمة في مجال محاربة الإرهاب، جاء في طليعتها القانونُ رقم (03-03) المتعلّق بمكافحة الإرهاب، والذي عرف الإرهاب على نحو واضح، وحدد الأعمال المصنفة على أنها إرهابية، لا سيما تلك التي تمس النظام العامّ وتُهدد حياة الناس باستخدام وسائل الإرهاب والعنف، ومن بينها أفعال الاعتداءِ على الآخرين بمختلف صورها، والتزوير، وتخريب الممتلكات، والاختطاف، واستخدام الأسلحة، أو المتاجرة بها، وغيرها.
ويلاحظ أن المشرع المغربي غلظ العقوبات المتعلقة بهذه الأفعال بمدة حبسٍ تتراوح من 20-10 سنة، فيما ترفع العقوبة لتكون أشد من ذلك في الحالات التي يترتب عليها إصابات جسيمة أو حالات وفاة، كما لم يكتفِ المشرع بمعاقبة المقدم على الفعل الإرهابي، بل أفرد عقوبات خاصة لكل من يقدم أي مساعدة أو تسهيلات للإرهابيين أياً كان شكلها.
وفي إطار مكافحة تمويلِ الإرهاب أصدر المغرب القانونَ رقم 147-93-1 المتعلّق بالمعاملات المالية ومراقبتها، الذي يُسمح بموجبه لجهات إنفاذ القانون بمراقبة وطلبِ معلومات حول أي معاملات مالية يشتبهُ بأنها غير شرعية، لا سيما تلك التي تثار حولها شبهاتٌ في تمويل المنظّمات الإرهابية وعملياتها.
ثالثًا: الجانب الأمني
قام المغرب بإعادةِ صياغة سياسته الأمنية منذ عامي 2002-2001م على نحو اتسم بالفعالية والنجاعة، بعدما أجرى تعديلات دستورية استجابة لمطالب شعبية، وأصدر قانون مكافحة الإرهاب الذي أتاح تحقيق عدد من المكتسبات على المستوى الأمني أهمها:
إعادة ترتيب وتدبير المجال الأمني، عبر إعادة هيكلة المديرية العامة للأمن الوطني، وإحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية.
تطوير وتحديث وسائل وآليات العمل، سواء من الناحية المادية واللوجيستية وأيضا من الناحية البشرية. بناء قاعدة معلوماتية أمنية جديدة لكل المنتسبين أو المفترض انتسابهم للتيارات الإرهابية، اعتمادًا على معطيات أرشيف الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الأفغاني، وتعاون العديد من أطر الحركات الإسلامية الشرعية.
تبنّي آليات جديدة للتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية على المستويين:
الداخلي: ويشمل من جهة الإدارةَ العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN)، ومديرية الشؤون الداخلية التابعة للداخلية (DAI)، ومن جهة أخرى التنسيق المكثّف بين الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني والإدارة العامة للدراسات والمستندات (DGED).
الخارجي: ويشملُ تعاونَ الأجهزة المغربية مع نظيرتها الأمنية الخارجية، الأوروبية والعربية.
رابعًا: الجانبان الاجتماعي والاقتصادي
قامت المملكةُ المغربية بعدة إجراءات تهم الجانبين الاجتماعي والاقتصادي لتحسين ظروف المعيشة، كان من أهمها تأسيس «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية» استجابة للطلب الداخلي بضرورة العمل على تحسينِ الظروفِ المعيشية من خلال دعم المشاريع الاقتصادية ذات العائد الجيد، والمحافظة على الكرامة الإنسانية.
كما تبنت المملكة سياسات الاقتصاد المزدهر من خلال تحويل مختلف جهات المغرب إلى محطاتٍ لجذب الاستثمارات، وإطلاق مشروع توفيرِ القروض البنكية للشباب لمساعدتهم على إنشاء مشاريعهم، وتشجيع الأعمال الحرة من أجل إدماجهم في سوق العمل، وتوفير فرص المساهمة في إنعاش الاقتصاد الوطني بعيدًا عن الانخراط في أعمال العنف والإرهاب، كما عمل المغرب على إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد إعادة تأهيلهم، وانقضاء مدد سجنهم؛ لتفادي انخراطهم مجددًا في أعمال إرهابية.
وأطلق الملك محمد السادس مجموعة من الورش في مجالات الإصلاح القضائي من أجل محاربة التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وإلى جانب هذا، اهتم المغرب -في حربه ضد الإرهاب- بإعادة هيكلة قطاع التعليم، حيث يقول الملك في ذلك: «إن معركتنا ضد الإرهاب، يجب أن ترتكز أيضا على تمكين الشباب والنساء من تربيةٍ منفتحة تنهل من المبادئ والمرجعيات الأصيلة لمجتمعاتهم التي تتشبع بالقيم الكونية، لتحصينهم من التعصب والانغلاق».
خامسًا: الجانب الديني
قام المغرب بعدة إصلاحات فيما يخص تجديد الحقل الديني؛ عملاً بالأوامر التي أعطاها جلالة الملك في خطابه السامي الذي ألقاه في الدار البيضاء عام 2004م، والذي تحدث فيه عن إعادة هيكلة الحقل الديني؛ ونتج عنه مجموعة إصلاحات تركز على تجسيدِ سياسة القرب الديني من المواطنين، وملامسة مكامن الخلل في فهم بعض الناس للدين، وتقويمها بالشكل الذي يخدم سياسة محاربة الارهاب التي انتهجها المغرب.






