تتواصل المأساة الإنسانية في غزة على الرغم من مرور أسابيع على إعلان وقف إطلاق النار. فالحصار المشدد الذي تفرضه إسرائيل ما زال يخنق القطاع ويتسبب في تدهورٍ متسارع للأوضاع المعيشية، حيث يعيش السكان في فقر غير مسبوق، وتفتقر العائلات إلى أبسط مقومات الحياة اليومية.
من أبرز مظاهر هذا الانهيار النقص الحاد في أسطوانات الغاز وارتفاع أسعار الحطب إلى مستويات تفوق قدرة الناس، ما يدفع العديد من الأطفال إلى البحث بأنفسهم عن أي مادة قابلة للاشتعال لتأمين وجبة طعام أو غلي قدر من الماء.
في خيام المغازي وسط القطاع، حيث لجأت مئات العائلات النازحة من شمال غزة، تبدأ الصورة أكثر قسوة. عند المدخل، ينتشر مكب نفايات عشوائي تحوّل إلى مقصد يومي للأطفال. من بين هؤلاء صالح وادية، طفل في العاشرة من عمره، يجر خلفه عربة صغيرة امتلأت بقطع بلاستيكية وخشب مهترئ.
يقول صالح، وهو يمسح العرق عن جبينه بعد ساعة من التقليب في القمامة:
“آتي إلى هنا كل يوم. أجمع أي شيء يمكن أن يشتعل لنخبز به. لا نملك المال لشراء الحطب. أقضي هنا وقتًا طويلًا قبل أن أرجع إلى خيمتنا كي تتمكن أمي من طهي الطعام أو إعداد الشاي.”
المشهد يتكرر مع فجر الداية، ذو الثلاثة عشر عامًا، الذي يبحث بين الركام عن قطع نايلون يحترق بسرعة. يروي فجر قصته بصوت يختلط بين التعب والحنين:
“نحتاج ما يقارب 15 دولارًا في اليوم كي تبقى النار مشتعلة بالحطب. لا قدرة لنا على دفع هذا المبلغ. والدي كان يعمل في تجارة السيارات بغزة. كانت لدينا سيارة جميلة، وبيت كبير وقطعة أرض. كل ذلك اختفى مع الحرب. المنزل دُمّر، والأرض أصبحت خلف الخط الأصفر.”
هذا “الخط الأصفر” الذي يشير إليه الأهالي أصبح اليوم يفصل القطاع إلى شطرين، مع استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على نسبة تقدَّر بـ58% من مساحته. اجتياز هذا الخط يشكل خطرًا مباشرًا، رغم أنه غير مرسوم بوضوح على الأرض.
قبل يومين فقط، فقدت عائلة طفلين يبلغان 10 و12 عامًا بعدما استهدفتهما طائرة مسيّرة إسرائيلية، بحسب ما يؤكده عمهما. كان الطفلان، كما يفعل كثيرون، يحاولان جمع الحطب لإعانة أسرتهما، لكنهما اقتربا دون قصد من منطقة تعتبرها القوات الإسرائيلية “محظورة”.
في ظل الظروف الحالية، تبدو حياة سكان غزة معلّقة بين الفقر والخطر، فيما يستمر آلاف الأطفال في حمل أعباء تفوق أعمارهم بكثير، فقط ليتمكنوا من توفير نار تُعدّ اليوم رفاهية نادرة.
وناشد أكثر من مليون إنسان في قطاع غزة، يسكنون الخيام طوال أيام، المؤسسات الدولية والمحلّية القيام باستجابة جادّة تتوافق مع حجم الكارثة، لكنّ مجمل ما تقدّمه تلك المؤسسات لا يرقى إلى الحدّ الأدنى من الحاجات. وتعزو جهات الإغاثة، البطء في الاستجابة إلى التلكّؤ الإسرائيلي في إدخال المتطلّبات العاجلة؛ إذ تسمح إسرائيل بدخول عشرات الشاحنات من المواد التموينية الثانوية فقط، فيما تمنع مواد البناء والشوادر والخيام الشتوية من الدخول بكمّيات وفيرة.
يشار إلى أن قطاع غزة يحتاج نحو 300 ألف خيمة ووحدة سكنية مسبقة الصنع لتلبية أبسط احتياجات الفلسطينيين من المأوى، بعدما دمرت إسرائيل البنية التحتية خلال عامين من الإبادة.






