منذ تأسيس جماعة الإخوان في مصر عام 1928، على يد حسن البنا، حملت الجماعة خطاباً مزدوجًا بين الدعوة الدينية والعمل السياسي السري، ثم تطور لاحقاً ليشمل العنف بوصفه أداة تنظيمية لتحقيق مشروعها، وعلى الرغم من حرص الإخوان تاريخياً على تقديم أنفسهم كجماعة دعوية سلمية، فإن مسارهم العملي كشف عن نمط ممنهج من العمل المسلح والاغتيالات السياسية وارتباطات عميقة بتنظيمات عنيفة داخل مصر وخارجها، بما جعل “الفكر الجهادي” جزءاً أصيلاً من تاريخ التنظيم.
هذا المسار الدموي لم يكن محصوراً في مصر، مهد الجماعة، بل امتد إلى دول عربية وإسلامية عدة، ليشكل سلسلة من الأحداث التي أسهمت في ترسيخ الصورة الحالية للتنظيم كشبكة عابرة للحدود، تمتلك أذرعاً مسلحة وتستفيد من واجهات سياسية ودعوية، لتحقيق أهداف تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
استهداف شخصيات سياسية وقضائية
أظهر التنظيم، خلال الحقبة الملكية في مصر، جانبه المسلح عبر “النظام الخاص”، وهو الجهاز السري الذي أنشأه حسن البنا في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، وتورط في سلسلة عمليات استهدفت شخصيات سياسية وقضائية، حيث شارك أفراد النظام الخاص في اغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1948 بعدما أصدر أحكاماً ضد عناصر من الجماعة، ثم اغتالوا رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في العام نفسه إثر قراره حل الجماعة.
هذه العمليات التي جرت قبل ثورة يوليو، شكلت أول مؤشر واضح على أن جماعة الإخوان الإرهابية، لم يكونوا مجرد “جماعة دعوية” بل تنظيماً يمتلك ذراعاً عسكرية ملتزمة بتنفيذ قرارات قيادته عبر العنف والتصفية الجسدية.
وعقب ثورة يوليو، تكررت الصدامات بين الدولة والجماعة، وتجلى ذلك بوضوح في محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية عام 1954 والتي نفذها عنصر تابع للإخوان، وعلى الرغم من إنكار الجماعة لاحقاً مسؤوليتها عن العملية، فإن الوثائق الأمنية والتحقيقات أثبتت تورط قيادات في “النظام الخاص” في التخطيط والتنفيذ.
الفكر القطبي ومسار العنف
ما حدث عام 1954 كان بمثابة نقطة مفصلية دفعت الجماعة إلى مرحلة مطولة من الصدام مع الدولة، وأرست الأساس الفكري لجيل لاحق من المنتمين إلى التيار القطبي، الذين تبنوا فكراً تكفيرياً أكثر حدة، سيكون له تأثير عميق على مسار العنف في العقود التالية.
خلال السبعينيات، أعاد الإخوان إنتاج حضورهم في المجتمع المصري، لكن هذا الحضور تزامن مع بروز تنظيمات خرجت من رحم الجماعة، مثل “الجماعة الإسلامية” و”تنظيم الجهاد”، الذين اعتبروا امتداداً لمدرسة سيد قطب، هذه التنظيمات نفذت عمليات دامية مثل اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات عام 1981، وهي عملية وإن لم يشارك فيها الإخوان مباشرة، فإن مصادرها الفكرية وادبياتها كانت متداخلة مع الخطوط الرئيسية للفكر القطبي الذي تبنته قطاعات من الجماعة خلال فترة السجون في الستينيات، ولعل الأهم أن الإخوان لم يقدموا إدانة واضحة للفكر الذي أنتج تلك العمليات، بل ظلوا يحتفظون بموقع “المرجعية الفكرية” لكثير من المجموعات المتشددة في العالم العربي.
في تسعينيات القرن الماضي، ورغم أن الإخوان كانوا يعززون حضورهم الاجتماعي والسياسي في مصر، فإن خطوط التواصل بينهم وبين حركات العنف في المنطقة لم تنقطع. فقد ظهرت لاحقاً وثائق وشهادات تؤكد وجود علاقات فكرية وتنظيمية بين قيادات في التنظيم الدولي وبين عناصر “القاعدة”، خصوصاً خلال وجود أيمن الظواهري في السودان، حيث نشطت الجماعات المتشددة في بيئة سمحت للإخوان أيضاً بدعم وجودهم السياسي. ذلك التداخل لم يكن معلناً، لكنه كان يعكس طبيعة “التشابك الأيديولوجي” بين الجماعة وتنظيمات متطرفة صنعتها نفس المدرسة الفكرية التي تمزج بين الحاكمية وتكفير الخصوم السياسيين والتمرد على الدولة.
نشاط الإخوان العابر للحدود وقرار ترمب
أحداث 2011 وما بعدها مثلت محطة أخرى كاشفة للتاريخ الدموي للجماعة في مصر. فبعد وصول الإخوان إلى الحكم ثم عزلهم في 2013، شهدت البلاد موجة عنف استهدفت مؤسسات الدولة والجيش والشرطة، وجرى الكشف عن خلايا مرتبطة بتنظيمات مثل “حسم” و“لواء الثورة”، وهي تنظيمات أكدت التحقيقات والأحكام القضائية أنها واجهات مسلحة خرجت من رحم الإخوان. نفذت تلك المجموعات عمليات اغتيال لقيادات شرطية وقضائية، واستهدفت منشآت عامة، وتبنّت خطاباً يستند مباشرة إلى أدبيات الجماعة حول “دفع الصائل” و“مقاومة الانقلاب”. وقد شكّلت هذه المرحلة دليلاً عملياً على أن الجماعة، رغم إعلانها التمسك بالسلمية، كانت تستعيد مرة أخرى تقاليد النظام الخاص، ولكن عبر واجهات جديدة أكثر تنظيماً وسرية.
امتد السجل الدموي للجماعة إلى خارج مصر أيضاً. ففي الأردن، لعب جناح الإخوان دوراً محورياً في دعم الجناح المسلح لحركة حماس، وهو دعم كشفت عنه تقارير أمنية متعددة خلال العقدين الماضيين، وتناول القرار الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخير الإشارة إليه صراحة باعتباره عملاً يسهم في تمويل العنف وزعزعة الاستقرار. وفي لبنان، برزت مجموعات مرتبطة بالتنظيم تقدم غطاءً لوجستياً ودعماً لتنظيمات مسلحة، وصولاً إلى المشاركة غير المباشرة في هجمات صاروخية عقب أحداث 7 أكتوبر 2023. أما في غزة، فقد شكلت حماس — وهي أحد أبرز فروع الإخوان — الذراع المسلحة الأكبر للجماعة، ونفذت عمليات عسكرية دامية داخل إسرائيل وخارجها منذ تأسيسها في الثمانينيات، معتمدة على خطاب يستمد شرعيته من الأدبيات الإخوانية الأصلية.
استغلال تبرعات غزة في أنشطة سياسية
لم يقتصر الحضور الدموي للجماعة على الشرق الأوسط فحسب، بل امتد أيضاً إلى دول أوروبية وإسكندنافية عبر شبكات التمويل والتنظيم. فقد كشفت قضايا مثل “وثيقة المرشد” و“القضية 404” في السويد عن تحويل تبرعات مخصصة لغزة إلى أنشطة تنظيمية وسياسية للجماعة. هذه الفضيحة لم تكن مجرد حالة فساد، بل كشفت عن نمط من استغلال الواجهات الخيرية لتمويل نشاط يمس الأمن القومي للدول المضيفة. وهو ما أدى إلى تصاعد القلق الأوروبي من نفوذ الإخوان، وصولاً إلى تحركات فرنسية وألمانية تهدف إلى تضييق نشاط الجماعة ووقف تمددها.
في ليبيا، لعب الإخوان دوراً محورياً في دعم مليشيات مسلحة شاركت في الحرب الأهلية بعد 2011، خصوصاً في غرب البلاد. فقد اتُهمت قيادات مرتبطة بالجماعة بدعم مجموعات مسلحة تورطت في عمليات قتل وخطف وتدمير مؤسسات، في إطار الصراع على السلطة والنفوذ. أما في تونس، فقد ارتبطت حركة النهضة — الذراع السياسية للإخوان — بملفات تسفير الشباب إلى بؤر الصراعات في سوريا والعراق، وهي قضية لا تزال محل تحقيقات واسعة حتى اليوم.
وفي اليمن، برز حزب الإصلاح، الجناح اليمني للإخوان، بوصفه أحد الأطراف التي دعمت فصائل مسلحة في البلاد، في سياق الحرب الأهلية الممتدة. ورغم محاولاته الظهور كقوة سياسية معتدلة، فقد كشفت الوقائع عن دوره في تأجيج النزاعات المسلحة، واستثمار الصراع لتوسيع نفوذ الجماعة في الشمال والجنوب.
أما في السودان، فقد استفاد الإخوان لعقود من التحالف مع نظام عمر البشير، وشاركوا في دعم قوات أمنية وعسكرية مارست انتهاكات واسعة بحق المدنيين والمعارضين، وهو ما ترك أثراً بالغاً في صورة الجماعة على المستوى الإقليمي والدولي.
التاريخ الدموي للجماعة يهدد مستقبلهم السياسي
تاريخ الجماعة الدموي، سواء في مصر أو في محيطها الإقليمي، لا يمكن عزله عن البنية الفكرية التي صاغتها قيادات مثل حسن البنا وسيد قطب، والتي جعلت من “العنف المنظم” خياراً مشروعاً لتحقيق هدف إقامة “الدولة الإسلامية”. وعلى الرغم من محاولات الإخوان تقديم أنفسهم كجماعة إصلاحية، فإن المسار العملي الممتد لقرابة قرن يؤكد أن العنف لم يكن فعلاً طارئاً أو هامشياً، بل كان دائماً جزءاً من الاستراتيجية الكبرى للتنظيم.
ومع التحولات الدولية الحالية، خصوصاً القرار الأميركي الأخير الذي يربط الجماعة صراحة بأنشطة عنف عابرة للحدود، يبدو أن التاريخ الدموي للإخوان يعود إلى الواجهة من جديد، ليس فقط في سياق قراءة الماضي، بل في إطار تقييم مستقبل التنظيم. فمع تشديد الرقابة المالية، وتزايد التصنيفات الإرهابية، وانحسار الملاذات الآمنة، يجد الإخوان أنفسهم في مواجهة مع واقع دولي يعيد النظر في خطاب “الاعتدال” الذي حاولوا تسويقه لعقود، مقابل حقائق عنيفة أثبتتها الأحداث أكثر مما أثبتتها الأدبيات.
وبينما يواصل الإخوان التشبث بخطاب المظلومية، فإن رصيدهم الدموي — الممتد من القاهرة إلى غزة ومن بيروت إلى بنغازي — يشكل اليوم أساساً مركزياً في إعادة صياغة الموقف الدولي تجاههم. وبذلك، يصبح التاريخ الدموي للجماعة ليس مجرد سجل لأحداث ماضية، بل عاملاً حاسماً في مستقبلهم السياسي والتنظيمي، وربما في مصيرهم ككيان عابر للحدود.






