واقع معيشي قاسي، يعاني منه سكان القدس المحتلة، إذ تتجسد المعاناة، حين يُجبر الفلسطيني على هدم منزله بيديه، في واحدة من أكثر السياسات إيلامًا وتأثيرًا نفسيًا واقتصاديًا، حيث شهدت مدينة سلوان جنوب القدس، استمرار عمليات هدم المنازل، إذ تول الأمر من مجرد إجراء إداري، إلى أداة ضغط، تدفع السكان للاختيار بين خسارة منازلهم أو تحمل أعباء مالية باهظة.
ولعل قصة عمر أبو رجب، ليست حالة فردية، بل نموذج متكرر لواقع يفرضه ما يُعرف بالهدم الذاتي، حيث يجد المقدسي نفسه أمام قرار قاسي هدم منزله بيده لتفادي تكاليف الهدم التي تفرضها بلدية الاحتلال، هذا النمط من الإجراءات لا يقتصر على إزالة مبانٍ، بل يمتد ليطال الاستقرار الاجتماعي والنفسي، ويحوّل سنوات من العمل والذكريات إلى ركام في لحظات.
“أبو رجب”: الاحتلال أجبرني على هدم منزلي
لحظات مؤلمة عاشها “أبو رجب” خلال هدمه منزله، لتنتهي بتشريده مع زوجته، وتحويل منزله إلى أطلال تختزن بقايا حياة وذكريات باتت غبارًا. “تنفيذًا لقرار بلدية الاحتلال، اضطررتُ إلى هدم منزلي ذاتيًا، تفاديًا لدفع تكاليف الهدم للبلدية، في حال نفذت آلياتها عملية الهدم، رُغم ما يحمله ذلك من ألم ووجع داخلي.. لك أن تتخيل كيف يهدم الإنسان منزله، وشقاء عمره، بيديه، في لحظة قاسية تختصر سنوات من التعب والتشريد للمرة الثانية”. حسب تصريحات أبو رجب لوكالة صفا.
وأضاف المقدسي، أن هذه هي المرة الثانية التي يُهدم فيها منزلي، بعد هدمه سابقًا في حي وادي ياصول بسلوان، ما اضطره لبناء منزل آخر في حي البستان على مساحة 45 مترًا مربعًا، ليعيش فيه وزوجته، قبل أن تصدر بلدية الاحتلال قرارًا نهائيًا بهدمه ذاتيًا، ليتم تشريده مرة أخرى، مشيرًا إلى أن بلدية الاحتلال فرضت عليه مخالفات بدأت عام 2020 بقيمة 40 ألف شيكل، ثم مخالفة ثانية في شهر رمضان الماضي بقيمة 24 ألف شيكل.
ويتابع أبو رجب “دائمًا ما تنغص سلطات الاحتلال علينا حياتنا، ليس فقط بالهدم، بل أيضًا بالاقتحامات والاعتقالات والتهديد والضغط النفسي، والتهجير القسري الذي تشهده المدينة المقدسة يوميًا”.
دفع غرامات باهظة تفرضها بلدية الاحتلال
ويجد مقدسيون أنفسهم مجبرين على هدم منازلهم بأيديهم، تفاديًا لدفع غرامات باهظة تفرضها بلدية الاحتلال في حال تنفيذ الهدم بواسطة آلياتها. حيث تواجه عائلة “قويدر” في حي البستان، خطر فقدان بنايتها السكنية القائمة منذ 1970، بعد أن أبلغت البلدية العائلة بمهلة 11 يومًا لتنفيذ الهدم، علمًا أن 11 فردًا يقطنون بداخلها، بينهم كبار في السن وأطفال وذوو احتياجات خاصة.
وبدأت العائلة بتنفيذ “هدم ذاتي” للشقتين في الطابق العلوي، واللتين تعودان للشقيقين محمود وعبد قويدر، ويقطنهما 5 أفراد.
ويقطن آلاف المقدسيين بالمدينة المحتلة تحت تهديد إسرائيلي دائم بهدم منازلهم ومنشآتهم التجارية، بعدما أصدرت بلدية الاحتلال أوامر هدم بحقّها أو أنها تُجبرهم على هدمها بأنفسهم. ويعتبر “الهدم الذاتي” من أقسى وأسوأ أنواع العقاب الجماعي الذي يفرض على المقدسيين، لما يتركه من آثار نفسية واقتصادية سيئة عليهم.
أداة ممنهجة لكسر إرادة وصمود المقدسيين
وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت وتيرة “الهدم الذاتي” في مدينة القدس، ولا سيما في بلدة سلوان، حتى وصل إلى أرقام غير مسبوقة، فضلا عن أن بلدية الاحتلال وشرطتها صعّدتا في الفترة الأخيرة، من سياسة الهدم القسري، والضغط على المقدسيين، لإجبارهم على هدم منازلهم بأيديهم. حسب تصريحات عضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان فخري أبو دياب لوكالة صفا.
وأضاف أن سياسة “الهدم الذاتي” تضاعفت أكثر من 300% عن العام 2025 الماضي، وسط تفاقم معاناة أهالي القدس اقتصاديًا، بسبب إجراءات الاحتلال الممنهجة، وسياسة الحصار والإغلاقات، التي ينتهجها بين الفينة والأخرى، لتصعيد عدوانه على المدينة وأهلها. ومنذ بداية العام الجاري، أجبرت بلدية الاحتلال أكثر من 43 مقدسيًا على هدم منازلهم بأيديهم، متوقعًا أن يرتفع العدد إلى أكثر من 100 منزل مع نهاية العام.
الاحتلال يستخدم سياسة “الهدم الذاتي” – وفقا لأبو دياب – كأداة ممنهجة لكسر إرادة وصمود المقدسيين، ولإذلالهم، واستنزافهم ماديًا ونفسيًا، ما يزيد الضغوطات عليهم ويُفاقم من معاناتهم، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها. ويسعى الاحتلال، وفقًا للباحث المقدسي، لتهجير المقدسيين من مدينتهم، تمهيدًا لتفريغها بالكامل من سكانها الأصليين، لأجل إحلال المستوطنين مكانهم.




