يبدو أن ملامح مرحلة جديدة في التفكير السياسي والعسكري الإسرائيلي، تقودها حكومة بنيامين نتنياهو، تلوح في الأفق، وتقوم على توظيف الحرب كأداة لإعادة تشكيل الواقعين الداخلي والإقليمي، ورغم ذلك لم ينجح هذا النهج، الذي يروج لفكرة بناء إسرائيل الجديدة كقوة مهيمنة متحررة من القيود، في ترجمة فائض القوة العسكرية إلى استقرار سياسي مستدام، بل اصطدم بحدود واضحة، سواء على مستوى إدارة الصراع أو في القدرة على فرض نتائج نهائية.
هذه الاستراتيجية، رغم ما حققته من وقائع ميدانية في غزة والضفة، أسهمت في تعقيد المشهد بدلًا من حسمه، وأعادت إنتاج الصراع في إطار أوسع وأكثر تشابكًا، وفي هذا السياق، فضلا عن أن مفهوم إسرائيل الجديدة، لا يمثل قطيعة حقيقية مع الماضي، بل هو امتداد أكثر حدة لمنطق القوة، في ظل بيئة إقليمية ودولية سمحت بهامش حركة أوسع، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن هشاشته مع أول اختبار حقيقي، خاصة في ضوء التحديات التي فرضتها الحروب الأخيرة.
الإبادة مزاج حكومة نتنياهو!
الالتفاف الإسرائيلي حول الحرب وفكرة الحسم بالقوة وتطبيع الممارسات الإبادية في غزة والعنف المنفلت في الضفة الغربية، لا يعبر فقط عن مزاج حكومة نتنياهو، بل عن مزاج شعبي سائد بات مقتنعًا بأنه إذا لم يقم بسحق أعدائه؛ فإن أعداءه سيسحقونه. وينعكس هذا المزاج على الحقل الحزبي في اصطفاف المعارضة الكامل حول الحرب وأهدافها من دون أن يعني هذا بالطبع الاصطفاف وراء نتنياهو، إذ للمفارقة فإن الاصطفاف خلف النتنياهوية بوصفها منطقًا سياسيًا وإستراتيجيًا يقوم على مبدأ تفعيل القوة القصوى. حسب تقرير المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية.
حكومة الاحتلال الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو توسّعت في العام 2025 ومطلع العام الحالي في إستراتيجية تحويل الحرب إلى فرصة لبناء إسرائيل “الجديدة” بوصفها دولة فائقة القوة، متحررة من القيود، وقادرة على فرض الوقائع، كما أنها تغلق مسار حلّ الدولتين.
كما ركزت حكومة الاحتلال – وفقا للتقرير – على تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة تشكيل الإقليم وفق ميزان القوة الإسرائيلي، وضبط النظام السياسي داخليا من خلال تقويض ما تبقى من الضوابط الليبرالية، لكن النهج الذي بدأ بعد بدء حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتكرّس بتوسيع الحرب إقليمياً، انتهى إلى مأزق كشف عن هشاشة نموذج “سوبر إسبرطة” الذي يبشر به نتنياهو، إذ تمثل بعدم القدرة على ترجمة “فائض القوة” إلى إنجاز سياسي مستقر.
إسرائيل تستغل ترامب لفرض الهيمنة الإقليمية
إسرائيل الجديدة عمليا، لم تكن جديدة بالمعنى التاريخي، بقدر ما كانت تكثيفا وتكييفا أكثر صراحة لمنطقها وأدواتها ودفعًا بها نحو أقصاها. ونجاح إسرائيل الجديدة في فتح مسارات في الضفة وغزة تتجاوز وقائع أوسلو وتغلق باب حل الدولتين، لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه داخل فضاء سياسي واحد بين النهر والبحر، في ظل تآكل متزايد في شرعية إسرائيل الدولية، امتد على نحو غير مسبوق إلى الساحة السياسية الأميركية بمكوناتها كافة.
تقرير المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، كشف عن أن حكومة نتنياهو قدرت أنها خرجت من عامي الحرب (2024–2025) بفائض من القوة والإنجازات، مع ترجيح واضح في موازين القوى الجيوسياسية لصالحها، وإنها باتت تمتلك ما يكفي من الأصول والقدرات لاستثمار “اللحظة الترامبية” والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على ترسيخ إسرائيل “الجديدة” كقوة إقليمية مهيمنة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط. بالانطلاق من ذلك، جاءت الحرب على إيران في 28 شباط 2026 كذروة لهذا التصور: محاولة ترجمة فائض القوة إلى حسم إقليمي.
الحرب بدلاً من أن تمثل ذروة ترسيخ إسرائيل الجديدة، فقد كشفت حدودها، إذ أظهرت فجوة واضحة بين الأهداف التي وُضعت للحرب والتقديرات التي بُنيت عليها سيناريوهاتها، وبين دينامياتها الفعلية ومسار تطورها، وأظهرت أيضًا أن الفجوة بين القدرة على إحداث دمار واسع والقدرة على فرض نتائج سياسية مستقرة ما زالت هي الأزمة الأساسية للإستراتيجية الإسرائيلية.
إنعكاسات تحالف ترامب ونتنياهو
ركز التقرير على البنية الاقتصادية، لا سيما قطاع الهايتك، وما لعبه من دور محوري في امتصاص الصدمات، ومنع الحرب من التحول إلى أزمة اقتصادية شاملة، مشيرا إلى وصول حصة الهايتك إلى نحو 57% من الصادرات الإسرائيلية في النصف الأول من 2025، وظلت صادرات البرمجيات والخدمات الرقمية المحرك الأهم للفائض في ميزان الخدمات.
البيئتين الدولية والإقليمية، لا سيما في ظل إدارة دونالد ترمب، وفّرت لإسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك عبر تقويض منظومات الضبط الدولي، منبهاً إلى ما يحيط بتحالف ترامب – نتنياهو من ارتدادات عكسية محتملة، فما يبدو في المدى القصير تحالفًا يضاعف القدرة على التدمير، قد يتحوّل في المدى المتوسط إلى عامل إضافي في تعميق الفجوة الأميركية – الإسرائيلية، وتسريع سيرورات نزع الشرعية عن إسرائيل وتكريس صورتها كدولة منبوذة ومارقة.




