في تصعيد سياسي وعسكري لافت، صعّد حزب الله من لهجته تجاه السلطة اللبنانية، مندداً بما وصفه بـ«التنازلات» في مسار التفاوض مع إسرائيل، ومعلناً بشكل غير مباشر استعداده للعودة إلى القتال.
وجاءت مواقف الحزب عبر قياداته ونوابه، الذين وجهوا انتقادات حادة إلى جوزيف عون، على خلفية تمسّكه بخيار الحل الدبلوماسي، ورفضه الانخراط في خطاب «المقاومة» التقليدي، ولم تخلُ التصريحات من لهجة تهديد، إذ اعتبر أحد نواب الحزب أن أي محاولة لمحاكاة تجربة أنطوان لحد ستُواجَه بالقوة، في إشارة واضحة إلى رفض أي مسار يُفسَّر على أنه تعاون مع إسرائيل.
الجنوب بين النزوح والعودة
على الأرض، عكست التطورات السياسية حالة من القلق الشعبي، حيث شهدت الطرق بين الجنوب والعاصمة بيروت حركة نزوح عكسية، مع عودة بعض الأهالي لتفقد منازلهم قبل أن يغادروها مجدداً.
ودعا الحزب بشكل صريح جمهوره إلى عدم الاستقرار في القرى الجنوبية أو الضاحية الجنوبية لبيروت، والاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما زاد من حالة الارتباك لدى المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين هدنة هشة واحتمالات التصعيد.
ويعكس هذا المشهد واقعاً إنسانياً معقداً، حيث تتكرر موجات النزوح في ظل غياب ضمانات حقيقية لاستمرار وقف إطلاق النار، ما يضع آلاف الأسر أمام مستقبل غير واضح.
رسائل ميدانية.. «الأصابع على الزناد»
وفي موازاة التصعيد السياسي، حملت تصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رسائل ميدانية واضحة، إذ أكد أن «المقاومين» سيبقون في حالة جهوزية كاملة، مع «الأصابع على الزناد».
وشدد على أن الحزب لا يثق بالجانب الإسرائيلي، متهماً إياه بمواصلة الخروقات، ومعتبراً أن فترة الانتظار الطويلة على المسار الدبلوماسي لم تحقق أي نتائج ملموسة.
كما حذّر من الانخراط في مفاوضات مباشرة «تحت الإملاءات»، في إشارة إلى رفض أي تسوية لا تلبي شروط الحزب أو تضمن ما يراه «حقوق لبنان».
بيروت تتحرك دبلوماسياً
في المقابل، تسير الدولة اللبنانية في اتجاه مغاير، حيث تكثف تحركاتها السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد. فقد عقد لقاء بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لبحث الاستعدادات لإطلاق مفاوضات محتملة مع إسرائيل.
وبحسب مصادر وزارية، فإن الورقة اللبنانية باتت شبه مكتملة، وترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، وهي تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها مؤخراً والعمل على ملف الأسرى وإعادتهم.
وتأمل بيروت أن تشكل هذه الورقة مدخلاً لتخفيف التوتر، وفتح باب لحل سياسي يُنهي حالة الاشتباك المستمرة.
بين خيارين.. الحرب أو التسوية؟
وتضع هذه التطورات بيروت أمام مفترق طرق حاسم، بين خيار التصعيد العسكري الذي يلوح به حزب الله، وخيار التهدئة الذي تسعى إليه الدولة عبر القنوات الدبلوماسية.
وفي ظل هدنة توصف بـ«الهشة»، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح المساعي السياسية في احتواء التوتر، أم أن البلاد تتجه نحو جولة جديدة من المواجهة قد تكون أكثر كلفة وتعقيداً؟
المؤشرات الحالية لا تحمل إجابة قاطعة، لكنها تؤكد أن لبنان يقف بالفعل على حافة مرحلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي تطور ميداني أو سياسي أن يعيد إشعال الجبهة من جديد.




