شهدت مدينة تامبا الأمريكية جولة مفاوضات أمنية خاطفة برعاية واشنطن بين لبنان وإسرائيل، خلصت إلى توافق شكلي على مواصلة المحادثات وسط أجواء وُصفت بالإيجابية. غير أن هذا الانفراج الدبلوماسي يصطدم بجدار صلب من الخلافات العميقة حول هندسة الترتيبات الأمنية على الأرض، وفي مقدمتها «آلية التحقق والتنسيق العسكري»، التي تحولت إلى الميدان الحقيقي للصراع الناعم بين الجانبين، وركيزة أساسية يربط بها كل طرف مستقبل التهدئة جنوب نهر الليطاني.
1. صراع «آلية التحقق»: طرف ثالث دولي أم اتصال مباشر؟
الرفض اللبناني للتنسيق المباشر: تصر بيروت عبر وفدها العسكري على رفض أي صيغ تفرض حواراً أمنياً أو قنوات اتصال عملياتية مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، معتبرة أن ذلك يمس بالسيادة الوطنية ويغير من طبيعة العقيدة العسكرية للجيش. وتتمسك الرئاسة اللبنانية بأن تتولى «آلية التحقق» لجنة دولية مستقلة تابعة لطرف ثالث (تحت مظلة الأمم المتحدة وبمشاركة أمريكية)، لتكون المعنيّ الوحيد برصد الخروقات وتقييم الانضباط الميداني.
الضغط الإسرائيلي للربط المباشر: في المقابل، تدفع تل أبيب بقوة نحو تدشين غرف عمليات مشتركة وتنسيق ميداني مباشر مع قيادة الجيش اللبناني، بحجة ضمان السرعة في معالجة التهديدات وإحباط أي تحركات مسلحة مفاجئة، وهي الخطوة التي تراها بيروت محاولة إسرائيلية لفرض فرضيات أمنية ومكاسب سياسية تحت غطاء الترتيبات العسكرية.
عقدة «المناطق التجريبية»: استعرض الوفد اللبناني التقدم الميداني في القطاعات التجريبية المحددة، مشدداً على أن توسيع نطاق المراقبة وانتشار القوات المسلحة يظلان مرهونين بالتزام إسرائيلي كامل بوقف الغارات الجوية والانسحاب الشامل من النقاط الحدودية قبل مناقشة أشكال التنسيق المتقدمة.
2. التنسيق على الحدود والضغط الميداني
إغلاق منافذ التسلل وسلاح الحدود: سعى الوفد العسكري اللبناني في تامبا إلى تعزيز موقفه عبر استعراض عمليات نوعية نفذها الجيش على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا، نجح خلالها في إحباط شبكات تهريب وضبط المعابر غير الشرعية، ليعطي رسالة واضحة للوسيط الأمريكي بجهوزيته الفنية والعملياتية للإمساك بالملف الأمني دون الحاجة لإملاءات أو إشراف إسرائيلي مباشر.
اشتراط وقف العدوان: جددت الرئاسة اللبنانية موقفها الثابت بأن أي حديث عن اختبار آليات التحقق لن يكتب له النجاح طالما استمرت الضربات الجوية والخروقات لسيادة الأراضي اللبنانية، مشيرة إلى أن استمرار القصف يفرغ الاتفاق الإطاري من مضمونه ويقوض مصداقية الترتيبات الأمنية برمتها.
3. معادلة «سلاح حزب الله» وجدار الانسحاب
شرط الإجلاء الكامل: تتقاطع عقدة التحقق العسكري مع الملف الأكثر تعقيداً؛ حيث يربط «حزب الله» أي نقاش متعلق بتموضعه العسكري أو بسلاحه جنوب النهر بانسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من كافة الأراضي اللبنانية الشاغرة.
اختبار الرعاية الأمريكية: تضع هذه الانقسامات جولة تامبا المرتقبة أمام اختبار حقيقي، حيث تحاول واشنطن بلورة صيغة توفيقية تشكل جسراً بين تمسك بيروت بـ «الطرف الثالث الدولي» ورغبة إسرائيل في «التنسيق العملياتي المباشر»، وهو ما سيحدد ما إذا كانت المحادثات ستتحول إلى اتفاق نافذ أم ستظل تدور في حلقة المماطلة وتأجيل الحسم.






