تسعى كوريا الجنوبية إلى خفض منسوب التوتر المتصاعد مع كوريا الشمالية عبر سلسلة رسائل دبلوماسية هادئة، في محاولة لتجنب منزلقات قد تدفع شبه الجزيرة الكورية إلى مرحلة جديدة من الاحتقان.
لا وجود لنوايا عدائية
على الرغم من الضجة التي أثارها الاتفاق الأمني الأخير بين سول وواشنطن بشأن تطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية، فإن المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية حرص على التأكيد أن بلاده لا تحمل أي نوايا عدائية تجاه جارتها الشمالية، في خطوة بدت أقرب لاحتواء الغضب في بيونغ يانغ.
وتأتي لغة التهدئة هذه رغم أن الاتفاق مع الولايات المتحدة منح كوريا الجنوبية امتيازات تقنية حساسة تتعلق بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، وهو ما اعتبرته بيونغ يانغ تهديداً مباشراً لنظام الردع في المنطقة، ورغم أن سول تدرك حساسية هذه الخطوة، فإنها تؤكد أن هدفها الأول هو تعزيز قدراتها الدفاعية وليس الدخول في مواجهة نووية مع جارتها التي تملك ترسانة صاروخية متقدمة.
وفي المقابل، كانت لهجة كوريا الشمالية حادة وغير مسبوقة، إذ وصفت الاتفاق بأنه “تطور خطير” يزعزع الاستقرار في آسيا والمحيط الهادئ، ويشكّل محاولة واضحة لـ“المواجهة” كما جاء في بيان وكالة الأنباء الرسمية. وترى بيونغ يانغ أن امتلاك كوريا الجنوبية غواصات نووية – حتى لو كانت تعمل لأغراض دفاعية – سيطلق سباق تسلح محموماً في المنطقة.
وما يزيد الوضع تعقيداً هو أن كوريا الشمالية تربط أي تحرك عسكري أو تكنولوجي في الجنوب بمسألة “التهديد الوجودي”، وهو خطاب اعتادت استخدامه منذ سنوات، لكنه هذه المرة يأتي ضمن سياق إقليمي أكثر هشاشة، خصوصاً مع تزايد الاهتمام الأميركي بالتحالفات البحرية في المحيط الهادئ، وتنامي القلق من الصين.
الحوار.. مخرج ضروري للأزمة
تؤكد كوريا الجنوبية أنها تفضّل الحوار وتعتبره “مخرجاً ضرورياً” لتجنب سوء تقدير قد يؤدي إلى اشتباكات حدودية أو تصعيد لا يمكن احتواؤه. ويبدو أن طرح سول لمحادثات عسكرية جديدة – وهو الأول من نوعه منذ سبع سنوات – يعكس رغبة حقيقية في تجنب سيناريوهات الصدام، غير أن هذا العرض قوبل في اليوم التالي بتعليق بيونغ يانغ العنيف حول “عدم القدرة على السيطرة النووية” في المنطقة، ما ألقى بظلال ثقيلة على فرص نجاح أي قناة تواصل.
وفي ظل هذا المناخ المتوتر، تجد سول نفسها أمام معادلة دقيقة: تعزيز قدراتها الدفاعية بالتعاون مع واشنطن دون الظهور بمظهر الطرف الذي يفتح الباب لسباق تسلح نووي.
وهذا يتطلب دبلوماسية شديدة الحساسية، لأنها تواجه خصماً يتعامل مع أي تطور تقني في الجنوب باعتباره جزءاً من “خطة عدائية” تستهدف النظام في الشمال.
ورغم التصريحات الكورية الجنوبية التي تؤكد “عدم وجود نوايا عدائية”، فإن بيونغ يانغ ترى أن الواقع يختلف، لأن الاتفاق الأمني يمنح جارتها الجنوبية قدرة أعلى على التحكم في دورة الوقود النووي، وتعتبر هذه النقطة تحديداً مصدر قلق عميق، لأنها تعطي سول هامشاً أوسع في تطوير برنامجها العسكري إذا اقتضت الظروف.
ويبدو أن كوريا الجنوبية تحاول أن تقول للعالم إنها «تسير على حبل مشدود»: تطوير دفاعاتها من دون استفزاز، واقتراح الحوار من دون تقديم تنازلات، والتأكيد على النوايا السلمية من دون التراجع عن الاستراتيجية التي تعتبرها ضرورية لتعزيز أمنها القومي.
الاتفاق الأخير.. هل يرضي كوريا الشمالية
في الجانب الآخر، يتعامل النظام الكوري الشمالي مع الاتفاق الأخير ضمن سياق طويل من “العداء التاريخي” مع الولايات المتحدة. ويرى النظام أن أي تعاون عسكري بين واشنطن وسول هو بطبيعته “عدواني”، حتى لو لم يُذكر في نص الاتفاق ما يشير إلى استهداف مباشر.
ويُستخدم هذا الخطاب عادة لتبرير برامج التسليح المكثفة التي ينفذها الشمال، والتي تشمل تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات.
وتشير وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية إلى أن الاتفاق سيؤدي إلى “تأثير الدومينو النووي” في المنطقة، في إشارة إلى مخاوفها من انتقال دول أخرى في آسيا إلى تعزيز قدراتها النووية أو الدخول في تحالفات تؤدي إلى توازنات جديدة غير محسوبة، وتدّعي بيونغ يانغ أن خطوة الجنوب تهدد بتقويض الأمن الإقليمي بأكمله وليس فقط أمن شبه الجزيرة.
ومن منظور بيونغ يانغ، فإن امتلاك كوريا الجنوبية غواصات تعمل بالطاقة النووية يعطيها تفوقاً استراتيجياً يؤدي إلى تقليص الخيارات العسكرية للشمال، وهو ما يدفعه للبحث عن “إجراءات مضادة أكثر واقعية”، كما ورد في بيانها.
ورغم أن طبيعة هذه الإجراءات لم تُكشف، إلا أن التوقعات تشير إلى أنها قد تشمل تجارب صاروخية جديدة أو استعراضات قوة إضافية.
وتأتي هذه التطورات في لحظة حساسة تشهد فيها المنطقة تصاعداً عاماً في التوترات؛ فالعالم يمر بمرحلة سباق تسلح متسارع، وسط استقطاب دولي متزايد، وصدامات جيوسياسية تمتد من بحر الصين الجنوبي إلى شرق أوروبا، ما يجعل أي شرارة في شبه الجزيرة الكورية قادرة على إشعال مساحات أكبر بكثير من حدود البلدين.
فرص الحوار بين الكويتين
وتطرح التطورات الأخيرة عدداً من الأسئلة حول مستقبل فرص الحوار بين الكوريتين. فإعلان سول استعدادها للمحادثات العسكرية لم يُقابل بالتجاوب، بل بالتشدد. وهذا يعكس عمق فقدان الثقة بين الجانبين، إذ يرى الشمال أن الحوار لا قيمة له في ظل “تهديد نووي” يتشكل، فيما ترى الجنوب أن الحوار هو الأداة الوحيدة المتاحة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة.
ويُرجّح محللون أن كوريا الشمالية قد تذهب باتجاه إطلاق صاروخ باليستي جديد – ربما عابر للقارات – خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً بعد إعلانها أن الاختبار التاسع لمحرك صاروخي فائق القوة تم بنجاح في أكتوبر الماضي، ويُفهم من ذلك أنها تقترب من مرحلة “الإطلاق الكامل”، وهي رسالة أخرى تضغط بها على الجنوب.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأكبر: هل تنجح سول في دفع بيونغ يانغ نحو طاولة الحوار رغم التصعيد؟ أم أن المنطقة ستجد نفسها أمام حلقة جديدة من الاستفزازات المتبادلة، في وقت يزداد فيه النظام الكوري الشمالي جرأة على اختبار السقف الأمني العالمي؟ الإجابة ليست واضحة، لكن المؤشرات الحالية تميل لصالح سيناريو التصعيد أكثر من الهدوء.
أما الولايات المتحدة، فتتابع الوضع بقلق واضح، لأنها تدرك أن أي اضطراب كبير في شبه الجزيرة الكورية سيؤثر على شبكة التحالفات التي بنتها في آسيا خلال السنوات الأخيرة.
ولا يبدو أن واشنطن مستعدة للتخلي عن دعم سول تقنياً وعسكرياً، ما يعني أن بيونغ يانغ ستستمر في النظر إلى الاتفاق كجزء من “استراتيجية حصار”.
وبين رغبة سول في التهدئة، وإصرار بيونغ يانغ على التصعيد، وتنامي التحالفات العسكرية في المحيط الهادئ، تبدو شبه الجزيرة الكورية مقبلة على مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، سيكون لها تأثيرات طويلة المدى على خرائط القوة في آسيا.
تهدئة كوريا الجنوبية ليست ضعفاً.. بل مناورة مدروسة
يرى الدكتور هيو جين وو، أن كوريا الجنوبية تدرك تماماً حساسية اللحظة الجيوسياسية، ولذلك اختارت خطاب التهدئة رغم أنها تمتلك الآن هامش قوة أكبر بفضل الاتفاق النووي مع واشنطن، ويشير إلى أن سول تعتمد على مبدأ «ضبط النفس الاستراتيجي»، الذي يهدف إلى نزع الذرائع من يد بيونغ يانغ، حتى لا تستخدم الاتفاق لتبرير تصعيد عسكري أكبر.
ويعتقد الخبير أن كوريا الجنوبية تحاول إرسال رسالة مزدوجة: للداخل بأن الاتفاق يعزز الأمن الوطني، وللخارج بأنها لا تسعى للتصعيد، وهذا التوازن ضروري للحفاظ على دعم المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل حساسية الملف النووي في آسيا، حيث تنظر الصين وروسيا لأي خطوة أميركية في المنطقة بقدر كبير من الشك.
ويضيف أن طرح المحادثات العسكرية بعد يوم واحد من الغضب الكوري الشمالي كان خطوة “ذكية”، لأنها تُظهر للعالم أن كوريا الجنوبية ليست هي الطرف الذي يقفل باب التفاوض، ويرى أن هذا السلوك الدبلوماسي يهدف لعزل بيونغ يانغ سياسياً، وجرّها إلى موقف تبدو فيه أنها هي التي تعرقل فرص الاستقرار.
ويُرجّح الدكتور هيو أن كوريا الجنوبية ستواصل هذا النهج في الأسابيع المقبلة، لأنها بحاجة لضمان دعم واشنطن من ناحية، وعدم استفزاز بيونغ يانغ من ناحية أخرى، وهي معادلة معقدة لكنها ضرورية في لحظة تتغير فيها خرائط القوة في آسيا بسرعة كبيرة.
بيونغ يانغ تخشى خسارة ميزتها الاستراتيجية.. ولذلك تصعّد
يطرح البروفسور مارك أندرسون، خبير الأمن الدولي، تفسيراً مختلفاً، إذ يرى أن التصعيد الكوري الشمالي ليس مجرد رد فعل على الاتفاق الأخير، بل نتيجة خوف عميق من تغيّر قواعد اللعبة الاستراتيجية في شبه الجزيرة، فامتلاك كوريا الجنوبية غواصات تعمل بالطاقة النووية يعني أنها تنتقل إلى مستوى جديد من الردع البحري، وهو ما يقلّص قدرة الشمال على المناورة العسكرية.
ويؤكد أندرسون أن كوريا الشمالية تشعر بأن برنامجها الصاروخي أصبح مهدداً بفعل التعاون التقني المتزايد بين سول وواشنطن، ولذلك ترتفع لهجتها كلما شعرت بأن ميزتها العسكرية التقليدية تتآكل، ويضيف أن كلامها عن “تأثير الدومينو النووي” يهدف إلى تخويف المنطقة من تداعيات الاتفاق وليس توصيفاً دقيقاً للواقع.
ويرى الخبير أن بيونغ يانغ تعتمد منذ سنوات على استراتيجية “التصعيد لانتزاع التنازلات”، وهي تتحرك وفق هذا المنطق الآن، فالهجوم الكلامي على الاتفاق وتلويحها بالإجراءات المضادة يأتيان بهدف الضغط على كوريا الجنوبية لإبطاء تنفيذ برامجها الجديدة، أو على الأقل دفع واشنطن إلى تقديم تطمينات معينة.
ويحذّر أندرسون من أن الأسابيع المقبلة قد تشهد خطوات استفزازية من الشمال، لأن النظام يسعى لتعزيز موقعه قبل أي تفاوض محتمل، ويرى أنه كلما زاد الضغط الدولي، زادت احتمالات قيام بيونغ يانغ باختبار صاروخ عابر للقارات لإعادة فرض نفسها لاعباً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي.






