تعيش ليبيا واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيداً في المنطقة، تتقاطع فيها شرعيات متوازية وهياكل متداخلة ومراكز قرار متنازعة بين الشرق والغرب. ومع كل محاولة للحل أو كل تعثر سياسي، تُستحدث أجسام جديدة تُضاف إلى السجل المتخم للكيانات السياسية، في مشهد يعكس هشاشة البنية الدستورية، وغياب المرجعية الموحدة، وانعدام الثقة بين الأطراف. وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن تشكيل “الهيئة العليا للرئاسات”، الذي فتح باباً واسعاً من التساؤلات حول دوافعه، وجدل شرعيته، وتداعياته على مستقبل الحكم ومسار الأمم المتحدة.
تضخم الهياكل السياسية كمظهر لأزمة أعمق
منذ سقوط نظام القذافي، عانت ليبيا من ظاهرة “التكاثر المؤسسي”، حيث تنشأ أجسام سياسية جديدة عند كل مفترق، سواء بهدف معالجة الانقسامات أو لتعقيدها. مجلس رئاسي، مجلس دولة، حكومتان، وبرلمانان في مراحل معينة، ولاحقاً أجسام موازية ظهرت تحت شعارات التوافق أو الضرورة.
تشكيل “الهيئة العليا للرئاسات” ليس استثناءً من هذا النمط، بل يمثل امتداداً لمنهج سياسي يرى في خلق هياكل جديدة مخرجاً للأزمة، رغم أن التجربة أثبتت أن هذه الخطوات غالباً ما تؤدي إلى مزيد من التشظي بدل التجسير. إذ إن غياب قاعدة دستورية واضحة يجعل أي جسم جديد معرضاً للطعن، ويمنح الأطراف المتضررة منه فرصة رفضه أو التعامل معه كخطوة أحادية.
رسائل سياسية أكثر منها معالجة مؤسسية
على الرغم من أن إعلان الهيئة جاء بلهجة توحيدية، تتحدث عن “توحيد المواقف الوطنية” و”التكامل في الملفات الاستراتيجية”، فإن توقيت الخطوة والسياقات المحيطة بها يشي بأن الهدف أعمق من مجرد تنسيق بين المؤسسات.
التحليل السياسي يشير إلى عدة أهداف ضمنية:
استباق مسار الأمم المتحدة قبل انطلاق الحوار السياسي المقرر أواخر نوفمبر، كما صرح المحللان محمد محفوظ ومحمد مطيريد. إذ تسعى الأطراف المتحالفة في غرب ليبيا إلى خلق إطار سياسي يمنحها أفضلية تفاوضية أمام أي تغيير محتمل في الحكومة أو هيكلة السلطة التنفيذية.
بعث رسالة قوة سياسية موحدة بعد اتساع رقعة التوتر بين حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي ومجلس الدولة، إضافة إلى تصاعد الحديث شرقاً عن “الحكم الذاتي”، ما يجعل الهيئة الجديدة بمثابة منصة لإظهار مركز قرار غرب البلاد ككتلة واحدة.
إعادة بناء الشرعية أمام الداخل والخارج عبر طرح تصور يبدو متماسكاً، يرسل إشارة إلى المجتمع الدولي بأن معسكر الغرب قادر على تشكيل إطار قيادي جماعي والاستجابة للضغوط الدولية.
غياب الأساس الدستوري وتضارب الاختصاصات
أحد أبرز الإشكالات التي أثيرت فور إعلان الهيئة يتعلق بمسألة الشرعية. إذ تساءل النائب صالح فحيمة وآخرون: “ما هو الأساس القانوني؟” و”بأي ضمانات؟”.
الهيئة الجديدة لا تستند إلى قاعدة دستورية صريحة أو اتفاق سياسي ملزم، ما يجعلها عرضة لرفض الأطراف الأخرى، خصوصاً البرلمان وحكومته في الشرق. كما أنها تعيد إنتاج أزمة أعمق: تعدد مراكز القرار وغياب جهة حَكَمية تحدد صلاحيات كل جسم.
فالمجلس الرئاسي، بحسب اتفاق الصخيرات، له وظائف محددة، ومجلس الدولة استشاري، وحكومة الوحدة تنفيذية. أما الهيئة الجديدة، فبما أنها تضم هذه الأطراف، فهي في الواقع تُنشئ “سلطة فوق السلطات”، وهو ما قد يعمّق الصراع على الشرعية أكثر مما يحله.
موقف شرق ليبيا بين الرفض والضغط السياسي
رفضت الحكومة المكلفة من البرلمان، برئاسة أسامة حماد، تشكيل الهيئة بشكل قاطع، ولوحت بخيار “الحكم الذاتي”. وعلى الرغم من أن المحلل محمد مطيريد يؤكد أن هذا التهديد ليس مشروعاً انفصالياً بل رسالة ضغط، إلا أنه يعكس بوضوح حجم التوتر بين الشرق والغرب، وحساسية أي خطوة أحادية قد تُفسر بأنها محاولة للهيمنة على القرار الوطني.
تلويح الشرق بالحكم الذاتي يعكس عاملين رئيسيين:
فقدان الثقة في آليات التفاوض القائمة واستشعار تهميش في ترتيبات السلطة. الرغبة في الاحتفاظ بمكاسب السيطرة على الأرض وعدم القبول بأي مسار قد يؤدي إلى عودة هيمنة طرابلس على القرارات السيادية. وبذلك، فإن الهيئة الجديدة قد تُقرأ شرقاً كإعادة إنتاج لسيطرة الغرب على القرار الوطني، وهو ما يهدد بتوسيع الشرخ المؤسساتي.
موقف مجلس الدولة.. قبول مشروط يهدف للحفاظ على دور سياسي
عدد من أعضاء مجلس الدولة رحبوا بالخطوة، مثل أحمد لنقي وبلقاسم دبرز وأمينة المحجوب، معتبرين أنها خطوة نحو توحيد القرار الوطني. لكن هذا الترحيب يعكس أيضاً دوافع داخلية، إذ يمكن للهيئة أن تمنح المجلس دوراً أكبر في مرحلة يرى الكثيرون أنها قد تشهد إعادة توزيع للسلطة التنفيذية.
فالهيئة تسمح للمجلس بالمشاركة في صناعة القرار، وتجنبه تهميشاً محتملاً في حال أُطلقت عملية سياسية جديدة برعاية المبعوث الأممي الجديد. لذلك، فإن الترحيب من قبل مجلس الدولة لا ينفصل عن هواجس الحفاظ على نفوذ سياسي تم اكتسابه عبر سنوات من التفاوض.
يرى مجدي الشبعاني أن أحد دوافع إعلان الهيئة هو الضغط الدولي لإعادة البناء السياسي. فالبعثة الأممية بصدد إطلاق مسار جديد لإعادة ترتيب السلطة، والمبعوث الأممي بحاجة لإطار تفاوضي منظم. لكن بدلاً من الانتظار، سارعت قوى غرب ليبيا إلى تقديم “صيغة جاهزة” للتحاور معها.
غير أن هذا الاستباق قد لا يكون متسقاً مع رغبة الأمم المتحدة، التي تبحث عن توافق شامل وليس اصطفافاً جديداً يكرس الانقسام. لذلك، فإن موقف البعثة الأممية سيكون حاسماً في تحديد مصير الهيئة، كما أشار بعض المسؤولين الليبيين.
وفي حال باركت الأمم المتحدة الخطوة، سيدخل البرلمان في “موقف حرج”، كما قالت أمينة المحجوب، أما إذا رفضتها، فستتحول الهيئة إلى عبء سياسي يفاقم الأزمات.
البنية الميدانية للأزمة.. تعدد القوى وغياب مركز القرار
من الناحية العملية، يعكس استحداث الهيئة أزمة أعمق تتعلق بتعدد مراكز القرار داخل طرابلس ذاتها. فالمحلل محمد محفوظ يشير إلى أن المجلس الرئاسي نفسه يعاني من انقسامات داخلية، وأن صورة التماسك التي تظهر للخارج غير دقيقة.
هذا التشظي الداخلي في الغرب، مقابل ثنائية السلطة في الشرق، يجعل أي خطوة تهدف إلى توحيد القرار أشبه بمحاولة لترميم بناء متصدع من الأساس. إذ إن غياب هيكل أمني موحد، وضعف قدرة الحكومة على فرض نفوذها على كافة الجماعات المسلحة، وتباين ولاءات مراكز القوى، كلها عوامل تجعل من الصعب تطبيق أي صيغة توحيدية جديدة.
يأتي تشكيل الهيئة في مرحلة انتقالية مضطربة، حيث تتجه ليبيا نحو مفترق جديد:
حوار أممي مرتقب
فشل متكرر للوصول إلى قاعدة دستورية
توقف العملية الانتخابية منذ 2021
ضغط اقتصادي وأزمات مالية واجتماعية
تنامي مطالب الحكم المحلي أو الذاتي
هذه الظروف دفعت الأطراف في الغرب إلى البحث عن “آلية داخلية” لمواجهة الضغوط، لكن من دون توافق وطني، قد يتحول المسار إلى مواجهة سياسية بدل أن يكون بداية حل.
تشكيل “الهيئة العليا للرئاسات” يمثل انعكاساً واضحاً لأزمة الحكم في ليبيا، لا مجرد خطوة إدارية لتوحيد المواقف. إنها نتيجة تداخل الشرعيات، وتنافس المؤسسات، وفشل المسارات السابقة في خلق إطار مستقر للسلطة. وبينما يرى البعض فيها فرصة لتوحيد القرار، يراها آخرون خطوة أحادية تزيد الانقسام.
المشهد الليبي، كما يتضح، يمر بمرحلة إعادة تشكيل صامتة، تشارك فيها أطراف محلية ودولية، لكن من دون قاعدة دستورية واضحة أو توافق شامل، تبقى كل المحاولات رهناً بموازين القوة على الأرض، وبمن يمتلك القدرة على فرض سرديته في النهاية.






