تتصاعد في الضفة الغربية المحتلة، ظاهرة الحواجز العشوائية التي ينصبها جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنون في عدد من الطرق الرئيسية، في سياق إجراءات متزايدة تقيد حركة الفلسطينيين وتفرض عليهم واقعًا يوميًا من القيود والازدحام والانتهاكات.
ووفق ما كشفت عنه صحيفة “هآرتس” العبرية، فإن هذه الممارسات لم تعد حالات فردية معزولة، بل باتت جزءًا من نمط متكرر يشير إلى توسع غير منضبط في سياسة إغلاق الطرق، وسط اتهامات بغياب الرقابة القانونية والتوثيق الرسمي، وتزايد التحذيرات داخل المنظومة العسكرية نفسها من تداعيات هذه الإجراءات على المستويين القانوني والإنساني.
انتهاك حقوق الفلسطينيين
وذكرت الصحيفة أن جيش الاحتلال يواصل إغلاق طرق وفرض قيود على الحركة في مختلف مناطق الضفة الغربية، بصورة تتعارض – وفق التقرير – مع أوامر الجيش نفسه، كما تخالف التزامات سابقة قدمتها سلطات الاحتلال أمام المحكمة العليا التابعة لـ”إسرائيل”.
وأوضح التقرير أن هذه الحواجز تختلف عن تلك التي ينشئها الجيش ويوثقها رسميًا، والتي تعتبرها المحكمة العليا “الإسرائيلية” قانونية رغم ما تسببه من انتهاك لحقوق الفلسطينيين وحرية تنقلهم. وفي هذا السياق، وجه المستشار القانوني لمنطقة “يهودا والسامرة” في النيابة العسكرية، كوبي ماركوس، رسالة إلى قائد المنطقة الوسطى في الجيش آفي بلوت وعدد من كبار الضباط، محذرًا من التداعيات القانونية المترتبة على استمرار هذه الممارسات.
وبحسب مصادر اطلعت على مضمون الرسالة، فإنها ترسم صورة وصفتها بـ”الصعبة” لما يجري داخل المنظومة العسكرية، مشيرة إلى وجود حالة من “الفوضى القيادية والقانونية” فيما يتعلق بالقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين. وأكدت الرسالة أن معظم إجراءات الإغلاق السارية حاليًا، بما في ذلك إغلاق الطرق لفترات تتجاوز 24 ساعة، تُنفذ بقرارات ميدانية عشوائية من قبل ضباط في الجيش، دون استكمال الإجراءات الإدارية المطلوبة، ودون الحصول على رأي مهني من الإدارة المدنية، أو استصدار الموافقات القانونية التي تنص عليها قرارات المحكمة العليا ذات الصلة.
تفتيش مهين وضرب وشتائم
وأشارت الرسالة إلى أن قيادة المنطقة الوسطى على علم بهذه التجاوزات، وأن المستشار القانوني سبق أن حذر منها للمرة الأولى قبل نحو عامين، لافتًا إلى أن القادة العسكريين في الميدان وسعوا استخدام سياسة إغلاق الطرق، متجاهلين التعهدات التي قدمتها دولة الاحتلال أمام قضاة المحكمة العليا عام 2017، عقب التماس تقدم به رؤساء مجالس فلسطينية احتجاجًا على قيود الحركة التي يفرضها الجيش.
يقيم جنود الاحتلال حاجزًا عسكريًا على الطريق الرئيسي الرابط بين مدينتي رام الله وأريحا شرقي الضفة الغربية، وهو أحد أهم الطرق الحيوية التي يستخدمها الفلسطينيون للوصول إلى المعبر الحدودي مع الأردن، الذي يمثل المنفذ الوحيد لسكان الضفة إلى العالم الخارجي. ويشهد هذا الحاجز، الذي أُقيم قبل نحو عامين، ازدحامًا يوميًا كبيرًا في ساعات الصباح والمساء، حيث تتكدس مئات المركبات في طوابير طويلة. حسب أحد النماذج التي رصدها “العربي الجديد”.
ووفقًا للرصد الميداني، يتعرض المواطنون على الحاجز لممارسات متعددة تشمل التفتيش المهين، والضرب، والشتائم، إضافة إلى إجبار بعض المركبات على المرور فوق سلاسل من المسامير الحادة الموضوعة على الأرض، ما يؤدي إلى إتلاف إطاراتها. وفي جانب آخر من رسالته، شدد المستشار القانوني على غياب الرقابة والتوثيق الرسمي للإغلاقات المفروضة في الضفة الغربية، موضحًا أن قيام الجيش بوضع عوائق مادية دون إصدار أوامر قانونية أو الإعلان عن مواقعها، خلق حالة من “الغموض الكامل والخطير” في الميدان.
المساس بحقوق الفلسطينيين دون تفويض قانوني
وأشار إلى أن هذا الواقع جعل السكان الفلسطينيين وحتى سلطات الاحتلال غير قادرين على التمييز بين الحواجز والإغلاقات التي أقيمت بدعوى أسباب أمنية، وبين تلك التي أنشأها مستوطنون بصورة عشوائية ومن دون أي سند قانوني. وأكد القسم القانوني في الجيش أن الحصول على موقف الإدارة المدنية بشأن أي إغلاقات، ونشر الأوامر المرتبطة بها باللغة العربية، لا يعد مسألة اختيارية أو توصية، بل التزامًا قانونيًا يهدف إلى تمكين السكان الواقعين تحت الاحتلال العسكري من تنظيم شؤون حياتهم وتقديم الاعتراضات اللازمة على تلك الإجراءات.
كما حذر من أن المساس الواسع وغير المنضبط بالحقوق الأساسية للفلسطينيين دون تفويض قانوني واضح يتعارض بصورة جوهرية مع مبادئ القانون الإداري والقانون الدولي. وفي سياق متصل، أوضح التقرير أن جمعية حقوق المواطن قدمت خلال العام الماضي التماسًا إلى المحكمة العليا التابعة لـ”إسرائيل”، طالبت فيه بإلزام الجيش بنشر أوامر تقييد الحركة المفروضة على الفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل منتظم وواضح، إلا أن المحكمة لم تصدر قرارها في القضية حتى الآن.
وكشفت رسالة المستشار القانوني أن تعامل الجيش مع هذا الالتماس لم يؤد إلى معالجة جذرية للمشكلة، بل اقتصر على إدارة أزمات موضعية وعقد نقاشات داخلية هدفت في بعض الحالات إلى منح شرعية بأثر رجعي لعدد من الإغلاقات القائمة بالفعل.



