بعد ما يقرب من أربع سنوات على اندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا، تكشف الأرقام الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن صورة صادمة لحجم الاستنزاف الذي تتعرض له روسيا. فبحسب التقرير، تكبدت القوات الروسية نحو 1.2 مليون ضحية منذ فبراير 2022، في حصيلة تُعدّ الأكبر التي تتكبدها قوة عظمى في حرب واحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ما يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى الحرب وقدرة موسكو على مواصلة هذا المسار الطويل والمكلف.
أكثر من مليون ضحية… رقم بحجم مدينة
يوضح التقرير أن رقم 1.2 مليون يشمل القتلى والجرحى والمفقودين، وهو ما يعادل تقريبًا عدد سكان مدينة بحجم بروكسل. أما القتلى وحدهم، فيُقدَّر عددهم بنحو 325 ألف جندي روسي، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة للدول الكبرى.
ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذه الخسائر لا تجد لها مثيلاً منذ منتصف القرن الماضي، مؤكدًا أن «أي قوة عظمى لم تدفع مثل هذا الثمن البشري في حرب واحدة منذ الحرب العالمية الثانية»، وهو توصيف يضع الحرب الأوكرانية في مصاف أكثر النزاعات دموية من حيث الكلفة البشرية، رغم محدودية المساحة الجغرافية مقارنة بحروب عالمية سابقة.
مقارنة محرجة مع الحروب الأمريكية
لإبراز حجم الخسائر الروسية، عقد التقرير مقارنة مباشرة مع الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. ففي الحرب الكورية، بلغت الخسائر الأمريكية نحو 54 ألف قتيل، بينما قُتل قرابة 47 ألف جندي خلال حرب فيتنام. أما التدخلات اللاحقة، فقد جاءت بأرقام أقل بكثير: 149 قتيلًا في حرب الخليج الأولى، و2465 قتيلًا في أفغانستان، و4432 قتيلًا في العراق.
هذه المقارنة لا تهدف فقط إلى إبراز الفارق العددي، بل إلى التأكيد على أن روسيا، رغم كونها قوة عسكرية كبرى، تخوض حربًا بكلفة بشرية تتجاوز بكثير ما اعتادت عليه القوى الغربية في نزاعاتها الحديثة، ما يعكس طبيعة المعارك وشدتها واعتماد موسكو على أسلوب الهجوم المباشر والاستنزاف الطويل.
مكاسب محدودة مقابل نزيف مستمر
المفارقة الكبرى، بحسب التقرير، أن هذه الخسائر الفادحة لم تُترجم إلى إنجازات ميدانية حاسمة. فالقوات الروسية، رغم كثافة الهجمات، تتقدم «ببطء ملحوظ» على الأرض. وخلال هجوم بوكروفسك، على سبيل المثال، لم يتجاوز معدل التقدم 70 مترًا في اليوم، وهو رقم وصفه التقرير بأنه أبطأ من بعض أكثر الحملات الهجومية دموية في القرن العشرين، بما في ذلك معركة السوم الشهيرة خلال الحرب العالمية الأولى.
ووفقًا للتقديرات، لم تتمكن روسيا من السيطرة إلا على أقل من 1.5 بالمائة من الأراضي الأوكرانية منذ بداية عام 2024، ما يعزز الانطباع بأن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مفتوحة، يكون فيها الزمن والموارد البشرية جزءًا من سلاح القتال، لا نتيجة له.
الاقتصاد تحت الضغط… ثمن يتجاوز ساحة المعركة
لا تتوقف كلفة الحرب عند الخسائر العسكرية، إذ يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن موسكو تدفع ثمنًا اقتصاديًا باهظًا قد يعيد تصنيفها كـ«قوة اقتصادية من الدرجة الثانية أو الثالثة». فالحرب، إلى جانب العقوبات الغربية، تضع الاقتصاد الروسي تحت ضغط متزايد، من تآكل الموارد إلى الاعتماد المتزايد على الإنفاق العسكري على حساب التنمية والاستثمار.
هذا التحول، إن استمر، قد تكون له تداعيات طويلة الأمد، ليس فقط على قدرة روسيا على تمويل الحرب، بل أيضًا على موقعها في النظام الاقتصادي العالمي، وعلى تماسكها الداخلي في مواجهة أعباء اجتماعية متزايدة.
كييف تراهن على تعميق الاستنزاف
من الجانب الأوكراني، تُقرأ هذه الأرقام كدليل على فعالية استراتيجية الاستنزاف. ففي الأسبوع الماضي، وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن الخسائر الروسية بلغت نحو 35 ألف قتيل شهريًا في ديسمبر الماضي، في إشارة إلى أن وتيرة النزيف لم تتراجع.
تصريحات زيلينسكي تعكس رهان كييف على أن استمرار الضغط العسكري، مدعومًا بالسلاح الغربي والعقوبات الاقتصادية، قد يدفع موسكو في نهاية المطاف إلى مراجعة حساباتها، أو على الأقل إلى قبول تسوية بشروط أقل طموحًا مما أعلنت عنه في بداية الحرب.
حرب بلا منتصر واضح
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب الروسية الأوكرانية نموذجًا صارخًا لحروب الاستنزاف الحديثة، حيث لا يُقاس النجاح بعدد الكيلومترات المكتسبة، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية. وبينما تُظهر الأرقام حجم الخسائر الروسية غير المسبوقة، يبقى السؤال مفتوحًا حول المدى الذي يمكن لموسكو أن تواصل فيه هذه الحرب، وما إذا كان هذا النزيف المستمر سيقود في النهاية إلى اختراق سياسي، أم إلى جولة جديدة من التصعيد في نزاع لم تلوح نهايته بعد.






