أحدثت التصريحات الإقليمية للرئيس السوري أحمد الشرع خلال حواره مع قناة “الجزيرة” في برنامج “المقابلة” صدى واسعاً لدى أوساط الباحثين والمحللين السياسيين؛ إذ رسمت إجاباته ملامح مرحلة جديدة تُعيد تعريف تموضع دمشق في ملفات المعاملة بالمثل مع إسرائيل، وترسيم حدود العلاقة مع الدولة اللبنانية، وتعميق الشراكة الاقتصاديّة مع العراق.
1. إسرائيل: مسار متدرج ورسائل تتجاوز تل أبيب إلى واشنطن
قدم الرئيس السوري رؤية متدرجة ترهن التقدم نحو السلام بـ “أداء كل مرحلة”، محدداً خريطة طريق تبدأ بفرض “اتفاق أمني” يمهد للانتقال لاحقاً إلى مرحلة البحث في “سلام شامل”، مع التشديد الصارم على عدم التنازل عن الحق السوري الثابت في الجولان المحتل.
وأوضح الشرع أن حكومته تعمل على حشد ضغط دولي لإلزام إسرائيل باتباع سياسة متوازنة، رافضاً الخوض في “صراعات عقيمة” كشفت التجارب التاريخية عن فشلها، ومؤكداً الاعتماد على مقاربات أكثر أماناً تعطي أولوية للتنمية والازدهار.
قراءة الخبراء:
يرى الباحث في الشؤون الإقليمية محمود علوش أن الشرع يستهدف حصد مكسب كبير عبر اتفاق أمني يُجبر إسرائيل على التراجع عن الأراضي التي احتلتها عقب سقوط نظام الأسد، ويكفّ يدها عن ملف السويداء، مع إعادة إحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
ويضيف علوش أن طرح فكرة “السلام” للمرة الأولى ربما يكون رسالة موجهة بالأساس إلى الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، أكثر من كونها موجهة لإسرائيل التي تسعى قادتها لاقتطاع المزيد من الأراضي بدلاً من الانكفاء خلف اتفاقات أمنية.
2. لبنان: دعم “حصر السلاح” بين تطمينات الاحتواء وتحذيرات الخيار العسكري
في الشأن اللبناني، جصّص الشرع موقف دمشق الداعم لخيارات الدولة اللبنانية الرسمية في تطبيق القانون ونزع سلاح “حزب الله”، مؤكداً ضرورة احتكار المؤسسات الشرعية لقرار السلم والحرب. ورغم تأكيده عدم وجود نية لتدخلات عسكرية سورية، شدد على أن “ما يصيب لبنان يصيب سوريا”، معرباً عن جاهزيته لتقديم أوراق مساعدة لمنع انزلاق الجار اللبناني نحو الفوضى.
انقسمت قراءة الباحثين لهذه الرسائل إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول (التأكيد على احترام السيادة): ترى الباحثة اللبنانية محاسن مرسل أن الشرع جدد التزامه الصريح بسلامة الدولة اللبنانية ووحدتها واحترام قراراتها السيادية المتعلقة بحصر السلاح، قاططاً الطريق أمام الشائعات التي روجت لنيات سورية بالتدخل العسكري المباشر.
الاتجاه الثاني (تحذير مبطن ولجم حزب الله): في المقابل، يرى الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي أن الخطاب — رغم لغته الهادئة — حمل تحذيراً ضمنياً للحكومة اللبنانية بضرورة كبح جماح “حزب الله” ومنعه من تهديد الأمن القومي السوري، مشيراً إلى أن استمرار التهديد عبر الخاصرة اللبنانية قد لا يترك أمام دمشق خياراً سوى اللجوء للحلول العسكرية.
3. العراق: المصلحة الاقتصادية تتفوق على عُقد الماضي
وعن العلاقة مع بغداد، وصف الشرع العلاقات السورية العراقية بأنها “جيدة وفي تحسن مستمر”، مستنداً إلى الروابط التاريخية والامتداد العشائري والاجتماعي بين الشعبين. وأبدى تفهمه للواقع السياسي العراقي ولحجم “التدخلات الإيرانية”، مشيداً بمحاولات بغداد النأي بنفسها عن الصراعات الإقليمية.
وشدد الرئيس السوري على أن المصالح الاقتصادية وتبادل الموارد تشكل الرافعة الأساسية للعلاقات؛ فالعراق بحاجة لموارد سورية، وسوريا بحاجة للموارد العراقية.
قراءة الخبراء: يرى أستاذ دراسات الاستخبارات والأمن الوطني د. مهند سلوم أن تصريحات الشرع تعكس رغبة صادقة من الطرفين لتجاوز رواسب الماضي القريب، وبناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل. وأشار سلوم إلى أن دمشق تبعث برسالة مفادها أن التفاهم والتنمية والحوار هي الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار المستدام بعيداً عن أساليب العنف.






