يدخل لبنان ساعات حاسمة منذ فجر الاثنين، في اختبار جديد لمدى الالتزام بوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وسط أجواء سياسية وأمنية شديدة الحساسية، وترقب داخلي وإقليمي لما ستؤول إليه التفاهمات الجارية، في ظل مساعٍ لاحتواء التصعيد وفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً.
وتأتي هذه التطورات بينما تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الأطراف المعنية ستتمكن من تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني ينعكس على الأرض، خصوصاً بعد أشهر من التصعيد المتبادل والضربات التي طالت مناطق ومنشآت مدنية في الجنوب اللبناني.
اتصالات لتثبيت التهدئة ووقف الاستهداف
وبحسب معطيات سياسية، تكثف السلطات اللبنانية اتصالاتها خلال الساعات الأخيرة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والبنية التحتية والمنشآت المدنية، باعتبار أن هذه الخطوة تمثل المدخل الأساسي لأي ترتيبات أمنية أو سياسية لاحقة.
وتشير المعلومات إلى أن نتائج الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة التي جرت في واشنطن دفعت نحو تحركات دبلوماسية مكثفة، في محاولة لترسيخ تفاهمات تضمن تهدئة ميدانية قابلة للاستمرار.
وتعتبر بيروت أن وقف الضربات المتبادلة يشكل أولوية قصوى، خاصة أن استمرار العمليات العسكرية يهدد بنسف أي تقدم سياسي قد يتحقق خلال المرحلة المقبلة.
تعهدات متبادلة تشكل مفتاح المرحلة المقبلة
وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود استعداد أولي من الجانب الإسرائيلي للالتزام بوقف إطلاق النار، شرط التزام «حزب الله» بالمسار نفسه، في إطار صيغة تقوم على التعهدات المتبادلة وتثبيت قواعد الاشتباك.
وفي هذا السياق، تحدثت مصادر سياسية عن إبلاغ الرئاسة اللبنانية بموقف من رئيس مجلس النواب نبيه بري يتضمن استعداد الحزب لوقف إطلاق النار، مع إمكانية إصدار إعلان أو تعهد علني قبل انتهاء مهلة التمديد المحددة منتصف ليل الأحد – الاثنين.
ويرى مراقبون أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المؤشرات ستترجم إلى التزامات عملية، أم أنها ستظل ضمن إطار الرسائل السياسية المتبادلة.
«حزب الله» يرفع سقف الخطاب السياسي
وبالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، اختار «حزب الله» رفع نبرة خطابه السياسي، مستحضراً محطات تاريخية حساسة في الذاكرة اللبنانية، وذلك في بيان أصدره بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لاتفاق 17 أيار 1983.
الحزب اعتبر أن هناك محاولات لإعادة إنتاج مسارات سياسية وصفها بأنها أكثر خطورة من اتفاق 17 أيار، محذراً من أي توجه نحو اتفاق سلام شامل مع إسرائيل.
كما رأى أن الضغوط السياسية القائمة قد تؤدي إلى فرض ترتيبات تتعارض مع ما وصفه بالثوابت الوطنية اللبنانية، معتبراً أن المفاوضات المباشرة تمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية إضافية.
اتفاق 17 أيار يعود إلى الواجهة من جديد
ولم يأتي إعادة استحضار اتفاق 17 أيار من فراغ، إذ لا يزال هذا الاتفاق يمثل محطة شديدة الحساسية في التاريخ السياسي اللبناني، نظراً للجدل الكبير الذي رافقه والظروف التي أحاطت به خلال مرحلة الصراع الإقليمي في الثمانينات.
ولذلك، يرى مراقبون أن استدعاء هذا الملف في الخطاب السياسي الحالي يحمل رسائل واضحة تتجاوز البعد التاريخي، لتلامس طبيعة المرحلة المقبلة وحدود أي تفاوض محتمل من قبل لبنان مع إسرائيل.
ويبدو المشهد اللبناني اليوم معلقاً بين احتمالين متناقضين؛ الأول نجاح التفاهمات الحالية وفتح نافذة تهدئة تسمح بإعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية، والثاني عودة التوترات إلى الواجهة في حال تعثرت التعهدات المتبادلة أو انهارت الثقة بين الأطراف.
ومع اقتراب موعد الاختبار الميداني فجر الاثنين، تتجه الأنظار إلى جنوب لبنان باعتباره نقطة قياس حقيقية لقدرة الأطراف على الانتقال من مرحلة الرسائل السياسية والعسكرية إلى مرحلة أكثر استقراراً.




