دخل المشهد السياسي في العراق مرحلة جديدة من التوتر وعدم اليقين، بعدما بدأت مؤشرات الانقسام تتسلل إلى جدران «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الشيعي الذي يمسك بزمام السلطة في بغداد منذ سنوات.
وبعد ساعات فقط من منح البرلمان الثقة لحكومة جديدة جاءت بصورة غير مكتملة، برزت خلافات حادة داخل مكونات التحالف، لتطرح تساؤلات حول قدرة هذا التكتل على الحفاظ على تماسكه السياسي خلال المرحلة المقبلة.
ويبدو أن جلسة منح الثقة، التي كان يُفترض أن تمثل بداية مرحلة استقرار سياسي جديدة، تحولت إلى نقطة فاصلة كشفت حجم التباينات المكتومة بين أطراف التحالف، وأعادت إلى الواجهة صراعات النفوذ والحصص السياسية التي لطالما شكلت أحد أبرز تحديات النظام السياسي العراقي.
كتلة المالكي تتحدث عن «غدر سياسي»
في أول رد فعل على نتائج جلسة التصويت، أبدت كتلة «دولة القانون» التي يقودها نوري المالكي اعتراضًا حادًا على ما جرى داخل البرلمان، معتبرة أن عدم تمرير مرشحيها الوزاريين لم يكن مجرد تطور سياسي عابر، بل جاء نتيجة ما وصفته بـ«الغدر بالاتفاقات السياسية».
وأشارت الكتلة إلى أن ما حدث داخل جلسة منح الثقة حمل مؤشرات على وجود «مؤامرة سياسية» استهدفت إعادة رسم توازنات القوى داخل التحالف الحاكم، بما يخدم مصالح أطراف بعينها على حساب شركاء آخرين.
هذا التصعيد اللفظي لا يعكس فقط حالة غضب مرتبطة بالمقاعد الوزارية، بل يكشف حجم التوتر المتراكم داخل البيت السياسي الشيعي، خاصة أن «دولة القانون» تعد أحد الأركان الأساسية التي ساهمت في بناء الإطار التنسيقي منذ تأسيسه.
ويرى مراقبون أن استخدام تعبيرات مثل «الغدر» و«المؤامرة» يحمل دلالات تتجاوز الخلافات التقليدية حول توزيع المناصب، وقد يكون مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بمستقبل التحالف ذاته.
حلفاء السوداني يلوحون بالانسحاب
لكن التطور الأكثر تأثيرًا لم يأت من معسكر المالكي وحده، بل برز عبر حليفين بارزين لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، بعدما أعلنا الانسحاب من ائتلاف «الإعمار والتنمية»، الذي يُعد أكبر التشكيلات السياسية داخل «الإطار التنسيقي» في العراق.
وجاء القرار من حزبين يقودهما كل من أحمد الأسدي وفالح الفياض، وهما من أبرز الحلفاء السياسيين للسوداني.
وأوضح الحزبان أن قرار الانسحاب جاء نتيجة ما وصفاه بـ«التهميش والإقصاء» خلال عملية تشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما اعتبره مراقبون تطورًا بالغ الحساسية؛ لأن الانسحاب لم يصدر عن قوى معارضة، بل من أطراف كانت محسوبة على معسكر داعم لرئيس الحكومة السابق.
وأعادت التطورات الأخيرة طرح سؤال قديم داخل الساحة العراقية: هل كان «الإطار التنسيقي» تحالفًا سياسيًا متماسكًا بالفعل، أم مجرد مظلة مؤقتة جمعت قوى مختلفة لمواجهة تحديات معينة؟
فعلى مدى السنوات الماضية، نجح التحالف في تجاوز أزمات متلاحقة، لكنه ظل يواجه انتقادات بشأن وجود خلافات داخلية مؤجلة، يتم احتواؤها مرحليًا دون معالجتها جذريًا.
ومع تشكيل الحكومة الجديدة، يبدو أن هذه التناقضات بدأت بالظهور بصورة أكثر وضوحًا، خاصة مع شعور بعض القوى بأنها لم تحصل على تمثيل سياسي يتناسب مع حجمها داخل التحالف.
ويرى محللون أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات داخل المشهد العراقي، وربما ظهور اصطفافات جديدة خلال المرحلة المقبلة.
حكومة جديدة.. وتحديات قديمة
ورغم حصول الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان، فإن الطريق أمامها لا يبدو مفروشًا بالاستقرار. فالحكومة لا تواجه فقط ملفات اقتصادية وخدمية وأمنية معقدة، بل تجد نفسها أيضًا أمام تحدٍ سياسي داخلي يتمثل في احتواء الخلافات بين القوى التي يفترض أنها تشكل حاضنتها السياسية.
ويخشى متابعون أن تؤثر الانقسامات المتزايدة على قدرة الحكومة في تمرير قرارات استراتيجية، خصوصًا إذا تحولت الخلافات الحالية إلى صدامات مفتوحة داخل البرلمان.
وفي خضم المشهد الداخلي المضطرب، تلقت الحكومة العراقية الجديدة إشارات دعم خارجية مبكرة، في محاولة لإظهار تأييد سياسي لمسارها الجديد، فقد بعث فلاديمير بوتين برسالة تهنئة أكد خلالها تطلع بلاده إلى تعزيز التعاون الثنائي مع بغداد، في إشارة إلى أهمية العراق ضمن حسابات موسكو الإقليمية.
كما شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على دعم بلاده لمسار التعاون الاستراتيجي مع العراق، فيما قدم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تهنئته للحكومة الجديدة بعد حصولها على الثقة.
هل يدخل العراق مرحلة إعادة تشكيل التحالفات؟
ورغم أن الحديث عن تفكك كامل داخل «الإطار التنسيقي» قد يبدو مبكرًا، فإن المؤشرات الحالية تعكس بوضوح وجود أزمة داخلية حقيقية يصعب تجاهلها.
فإذا استمرت لغة الاتهامات والتهميش والانسحابات السياسية، فإن العراق قد يكون مقبلًا على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات السياسية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قدر أكبر من التوافق والاستقرار.
وتبقى الأسابيع المقبلة كفيلة بالإجابة عن سؤال محوري: هل ينجح التحالف الحاكم في احتواء تصدعاته الداخلية، أم أن أزمة الثقة الأخيرة ستكون بداية مرحلة سياسية مختلفة في العراق؟




