في لحظة بالغة الحساسية داخلياً وإقليمياً، يواجه لبنان اليوم اختبارًا سياسيًا وأمنيًا مصيريًا عنوانه: «حصرية السلاح بيد الدولة»، وذلك في جلسة استثنائية لمجلس الوزراء تحظى باهتمام ومراقبة عربية ودولية غير مسبوقة، وسط تصاعد الضغوط لفرض السيادة اللبنانية الكاملة على الأراضي الوطنية، استنادًا إلى ما ورد في خطاب القسم للرئيس جوزيف عون، والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام.
ضغوط خارجية متزايدة وتلويح بالعزلة
مصادر وزارية مطلعة كشفت أن الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام يتعاملان مع الجلسة باعتبارها مفترقًا حاسمًا لا يحتمل التأجيل أو المراوغة، خصوصًا في ظل تصاعد اللهجة الدولية والعربية تجاه لبنان، وتلويح واضح بإمكانية استمرار أو حتى تشديد الحصار السياسي والاقتصادي إذا لم تتخذ الحكومة خطوات ملموسة نحو بسط سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية.
وأكد المصدر أن الوسيط الأميركي، توم براك، عاد بردّ حازم على الرد الرئاسي اللبناني بشأن أفكاره المتعلقة بآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، داعيًا إلى «الانتقال من مرحلة إعلان النيات إلى مرحلة التطبيق الفوري»، ما يعكس تحولاً في المزاج الدولي تجاه بيروت.
«حزب الله» يضع العراقيل: الأولوية لـ«الثلاثية»
لكن رغم التطلعات الحكومية، جاء رد «حزب الله» سريعًا وصارمًا، حيث اشترط النائب علي فياض، باسم الحزب، عدم مناقشة موضوع حصرية السلاح قبل تحقيق ثلاث أولويات: انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وإطلاق الأسرى، ووقف الأعمال العدائية، مما فُهم على نطاق واسع كمحاولة لعرقلة الجلسة أو على الأقل تمديد النقاش فيها دون التوصل إلى قرارات حاسمة.
ويُتوقع أن تشهد الجلسة مواجهات كلامية حادة، خصوصًا في ظل مشاركة وزيري الحزب، راكان ناصر الدين (الصحة) ومحمد حيدر (العمل)، وسط تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على فرض رؤيتها دون الصدام مع مكوّن لبناني مسلح له امتداداته الإقليمية.
الذكرى الخامسة لانفجار المرفأ: مشهد الضحايا يضغط على الوجدان
تزامن انعقاد الجلسة مع الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت، في مشهد أعاد إلى الذاكرة الوطنية حجم المأساة وفداحة غياب المحاسبة. وقد تجمع ذوو الضحايا في العاصمة بيروت حاملين صور أحبائهم، في رسالة ضاغطة أخلاقياً على الحكومة، مفادها أن الدولة إن لم تكن قادرة على تحقيق العدالة وحماية المواطنين، فلا بد من إعادة تعريف مفهوم السلطة والسيادة.
هل ينجح لبنان في انتزاع الفرصة الأخيرة؟
التحذيرات الدولية باتت أكثر صراحة. إذ نقل المصدر الوزاري أن «عامل الوقت لم يعد في صالح لبنان، وأن الخيارات بدأت تضيق أمامه»، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي يشترط «آلية تنفيذية لجمع السلاح من القوى المحلية، بما في ذلك حزب الله»، كشرط أساسي لإعادة انخراطه في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
ويختم المصدر بالقول: «لا خيارات كثيرة أمام الحكومة. إما أن تمضي في استعادة القرار السيادي، أو أن تواجه عزلة قد تكون غير مسبوقة في تاريخها الحديث».
ساعة الحقيقة تدق في بيروت
جلسة اليوم ليست كسابقاتها. فالعالم يترقّب، والشارع يضغط، والانقسام الداخلي يزداد تعقيدًا. وإذا كانت السيادة لا تتجزأ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتجه الحكومة نحو الفعل أم تكتفي بالبيانات؟.. الأيام المقبلة كفيلة بالكشف عن الوجهة، لكن الثمن هذه المرة قد يكون وجودياً.






