إعلان وقف إطلاق نار مؤقت بين لبنان وإسرائيل، برعاية واشنطن، لم يكن مجرد خطوة لخفض التصعيد، بل كشف عن تحول أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي. الهدنة التي تمتد لعشرة أيام جاءت في سياق الحرب الأوسع المرتبطة بإيران، لكنها سرعان ما فُصلت عن هذا المسار، لتصبح الجبهة اللبنانية ملفًا قائمًا بذاته.
هذا الفصل يعكس رغبة أمريكية-إسرائيلية في إعادة ضبط قواعد الاشتباك داخل لبنان، بعيدًا عن الترابط المباشر مع طهران، ما يضع بيروت في موقع تفاوضي حساس، تتحكم به توازنات خارجية أكثر مما تحدده قراراتها الداخلية.
من التصعيد إلى التفاوض: مسار مزدوج
اللافت في هذه المرحلة هو التداخل بين المسارين العسكري والدبلوماسي. فبينما تستمر العمليات الميدانية، تُفتح قنوات تفاوض مباشرة غير مسبوقة بين لبنان وإسرائيل، بإشراف أمريكي.
هذا المسار المزدوج لا يعكس تهدئة بقدر ما يشير إلى إعادة تشكيل تدريجية للصراع، حيث تصبح الهدنة أداة لفرض شروط سياسية، لا مجرد وقف للقتال. وضمن هذا السياق، يبدو لبنان ساحة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، عند تقاطع الضغوط العسكرية والمفاوضات الدولية.
حزب الله يدخل المعادلة من بوابة إيران
دخول حزب الله على خط المواجهة، عبر هجوم صاروخي في مارس 2026، أعاد خلط الأوراق. فالهجوم لم يكن فقط ردًا على تطورات إقليمية، بل محاولة لإعادة ترميم ميزان الردع مع إسرائيل بعد سلسلة ضربات أضعفت قدراته.
لكن الحزب يتحرك ضمن قيود واضحة، تتراوح بين الضغوط الداخلية في لبنان والخسائر التي تكبدها خلال السنوات الأخيرة، ما يجعله يسعى للحفاظ على ما تبقى من نفوذه العسكري والسياسي، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
الدولة اللبنانية بين الضغط الخارجي والانقسام الداخلي
في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية، بقيادة جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تثبيت مبدأ احتكار قرار الحرب والسلم. وقد عبّرت بوضوح عن رفضها لأي عمليات عسكرية تنطلق من أراضيها.
غير أن هذا الموقف يصطدم بواقع معقد، حيث تتزايد الضغوط الأمريكية لدفع لبنان نحو ضبط سلاح حزب الله، مقابل استمرار الضربات الإسرائيلية، ما يضع الدولة في موقع ضعيف بين طرفين أقوى.
استراتيجية إسرائيل: من الردع إلى إعادة تشكيل الجنوب
على الأرض، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، مستفيدة من هجمات حزب الله لتبرير تصعيد أوسع. وتهدف هذه العمليات إلى فرض واقع أمني جديد جنوب نهر الليطاني، عبر إنشاء مناطق عازلة ومنع عودة السكان إلى بعض المناطق.
هذه الاستراتيجية تعكس انتقالًا من سياسة الردع إلى محاولة إعادة هندسة البيئة الأمنية والديموغرافية في الجنوب، بما يحدّ من نفوذ حزب الله على المدى الطويل.
مفاوضات واشنطن: سلام مشروط أم هدنة مؤقتة؟
المحادثات التي جرت في واشنطن، بدفع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثل أول محاولة جدية منذ عقود لإطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
لكن مضمون الاتفاق يكشف اختلالًا واضحًا في التوازن، إذ يحتفظ الجانب الإسرائيلي بحق التحرك العسكري تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، في حين يُطلب من لبنان اتخاذ إجراءات صارمة لضبط أي نشاط معادٍ من أراضيه.
هذا التباين يطرح تساؤلات حول طبيعة الاتفاق: هل هو خطوة نحو سلام دائم، أم مجرد هدنة مؤقتة بشروط غير متكافئة؟
انقسام داخلي يعمّق الأزمة
بالتوازي مع التطورات العسكرية والسياسية، تتعمق الانقسامات داخل لبنان. فبينما يحمّل البعض حزب الله مسؤولية التصعيد، يرفض آخرون تجاهل الدور الإسرائيلي في تفجير الوضع.
هذه الانقسامات لا تقتصر على السياسة، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية، ما يعيد إلى الواجهة خطوط صدع قديمة تعود إلى مراحل سابقة من تاريخ البلاد.
“الخط الأصفر”: هدنة بلا استقرار
إعلان إسرائيل عن إنشاء “خط أصفر” في جنوب لبنان، يُمنع الاقتراب منه، يعكس طبيعة الهدنة الهشة. فبدل أن تؤدي إلى استقرار، تكرّس هذه الإجراءات واقعًا أمنيًا جديدًا يسمح باستمرار العمليات تحت غطاء قانوني فضفاض.
وبذلك، يصبح الفرق بين الحرب والهدنة مسألة تفسير، أكثر منه تحولًا فعليًا على الأرض.




