شهدت ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا هجومًا عنيفًا أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 20 مدنيًا، بعدما اقتحم مسلحون من جماعة بوكو حرام قرى قريبة من غابة سامبيسا، أحد أبرز معاقل التنظيم.
الهجوم، الذي استمر لساعات من المساء حتى الفجر، يعكس تصاعدًا لافتًا في نشاط الجماعة، ويؤشر إلى قدرتها على تنفيذ عمليات منسقة رغم سنوات من الحملات العسكرية ضدها.
تحوّل في تكتيكات الجماعات المسلحة
لا يقتصر التصعيد على استهداف المدنيين، بل يشمل أيضًا هجمات متزايدة على مواقع الجيش والشرطة، في تحول واضح نحو استعادة زمام المبادرة. وتتحرك الجماعات المسلحة، بما فيها تنظيم داعش في غرب إفريقيا، ضمن بيئة جغرافية معقدة تمتد من غابة سامبيسا إلى مناطق بحيرة تشاد، حيث تساعد التضاريس الوعرة على تنفيذ هجمات خاطفة والانسحاب بسرعة.
هذا التحول يعكس مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بمرونة تكتيكية وقدرة على التكيف مع الضغوط العسكرية.
ضغط سياسي لمراجعة الاستراتيجية
في أعقاب الهجوم، صعّد البرلمان النيجيري من لهجته، حيث دعا مجلس الشيوخ إلى مراجعة شاملة للعمليات العسكرية. وطالب قائد الجيش أولوفيمي أولوييدي بإجراء تدقيق كامل يشمل الجوانب العملياتية واللوجستية.
كما شدد رئيس مجلس الشيوخ غودسويل أكبابيو على ضرورة تعزيز حماية المدنيين، في ظل انتقادات تتعلق بسقوط ضحايا خلال بعض العمليات العسكرية، ما يعكس تزايد الضغوط الداخلية على المؤسسة الأمنية.
ملف الرهائن يفاقم التوتر
بالتوازي مع التصعيد الميداني، يواجه الملف الإنساني تعقيدًا إضافيًا مع احتجاز مئات الرهائن لدى بوكو حرام. وقد حذر السيناتور علي ندومي من خطورة الوضع، داعيًا إلى تدخل عاجل بعد تهديد الجماعة بتصفية المختطفين إذا لم تُدفع فدية بملايين الدولارات.
هذا الملف يضع الحكومة أمام معضلة صعبة بين رفض التفاوض مع الجماعات المسلحة وحماية أرواح المدنيين.
“الممر الآمن” بين الطموح والانتقادات
ضمن محاولات احتواء التمرد، أطلقت السلطات برنامج “الممر الآمن” لإعادة تأهيل وإدماج المقاتلين السابقين. وقد نجح البرنامج، وفق بيانات رسمية، في إعادة إدماج آلاف الأشخاص منذ 2015.
لكن هذا النهج يواجه انتقادات متزايدة، إذ يرى كثيرون أنه يركز على الجناة أكثر من الضحايا، ويعيد مقاتلين سابقين إلى مجتمعات غير مهيأة لاستقبالهم، ما يخلق توترات اجتماعية ويهدد بعودة العنف.
المصالحة المجتمعية كحلقة مفقودة
يشير خبراء إلى أن نجاح أي برنامج لإعادة الإدماج لا يكتمل دون مصالحة حقيقية مع المجتمعات المتضررة. فغياب إشراك السكان المحليين في هذه العملية يعمّق الشكوك ويضعف الدعم الشعبي.
وتقترح دراسات متخصصة اعتماد مقاربة شاملة تشمل الحوار بين الضحايا والمقاتلين السابقين، وربط إعادة الإدماج بمشاريع تنموية تعالج جذور الأزمة، بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية.
تحديات إقليمية تتجاوز الحدود
لا يمكن فصل ما يحدث في شمال شرق نيجيريا عن السياق الأوسع في منطقة حوض بحيرة تشاد، حيث تنشط الجماعات المسلحة عبر حدود النيجر وتشاد والكاميرون. وتستغل هذه الجماعات ضعف التنسيق الأمني وصعوبة السيطرة على المناطق الحدودية لتعزيز نفوذها.
مستقبل المواجهة: نحو مقاربة شاملة؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن نيجيريا تقف أمام مفترق طرق في تعاملها مع التمرد. فالتصعيد الأمني، إلى جانب التحديات الإنسانية والاجتماعية، يفرض إعادة التفكير في الاستراتيجية الحالية.
ويرى مراقبون أن النجاح لن يتحقق بالحل العسكري وحده، بل يتطلب مزيجًا من الأدوات يشمل الأمن، والتنمية، والمصالحة، وإعادة الإدماج.




