رغم الإعلان عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، فإن المشهد في لبنان لم يشهد أي تهدئة فعلية على الأرض، بل بدا وكأن البلاد دخلت مرحلة جديدة من “إدارة التصعيد” بدلاً من تثبيت هدنة حقيقية، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية والقصف المدفعي المكثف على مناطق الجنوب والبقاع، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع تهدد استقرار المنطقة بالكامل.
وشهدت الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً واسعاً، بعدما كثّف الجيش الإسرائيلي ضرباته على أقضية صور والنبطية وبنت جبيل، بالتزامن مع توجيه إنذارات إخلاء عاجلة لسكان عدد من القرى والبلدات الحدودية، الأمر الذي أعاد مشاهد النزوح والذعر إلى الواجهة، ودفع مراقبين إلى التشكيك في جدوى الهدنة الحالية وقدرتها على احتواء التوتر المتفاقم.
الجنوب اللبناني تحت النار مجدداً
وكشفت المواجهات الميدانية الأخيرة هشاشة الاتفاقات القائمة، بعدما تحولت الهدنة إلى مجرد إطار سياسي غير قادر على وقف العمليات العسكرية المتبادلة، فالقصف الإسرائيلي استهدف مناطق مأهولة بالسكان، فيما تصاعدت أعمدة الدخان من عدة بلدات جنوبية، في مشهد يعكس استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة رغم الجهود الدولية لاحتواء الأزمة.
وتسببت الضربات الأخيرة في حالة من الشلل داخل العديد من القرى الحدودية، حيث أغلقت المدارس والمؤسسات، بينما فضّل عدد كبير من السكان مغادرة منازلهم خشية توسع دائرة الاستهداف، خصوصاً مع تكرار الإنذارات الإسرائيلية التي تطالب المدنيين بالإخلاء الفوري.
ويرى محللون أن إسرائيل تتعامل مع الهدنة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك، مع الاستمرار في توجيه ضربات محسوبة تستهدف الضغط الميداني والسياسي في آن واحد، دون الوصول إلى حرب شاملة.
البقاع يدخل دائرة الاستهداف المباشر
ولم يقتصر التصعيد على الجنوب فقط، بل امتد شرقاً إلى منطقة البقاع، حيث تعرضت مدينة بعلبك ومحيطها لغارات إسرائيلية عنيفة، في تطور وصفه مراقبون بأنه مؤشر خطير على اتساع رقعة المواجهة.
وأدى استهداف شقة سكنية بصاروخ موجّه إلى مقتل القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» وائل عبد الحليم، إلى جانب ابنته راما البالغة من العمر 17 عاماً، ما أثار حالة من الغضب الشعبي، خاصة مع سقوط مدنيين جراء الضربات الأخيرة.
ويعكس توسيع نطاق العمليات إلى البقاع تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف الإسرائيلي، الذي بات يتجاوز المناطق الحدودية التقليدية، الأمر الذي يثير مخاوف من دخول لبنان مرحلة أكثر تعقيداً على المستويين الأمني والإنساني.
أرقام ثقيلة تكشف حجم الكارثة
وبين هدنة 17 أبريل الماضي والهدنة الحالية، ارتفعت حصيلة الخسائر البشرية والمادية بشكل ملحوظ، لتكشف حجم الدمار الذي لحق بالمناطق المتضررة.
ووفق بيانات رسمية، بلغ عدد المنازل المدمرة بالكامل نحو 970 منزلاً، إضافة إلى 545 منزلاً متضرراً بشكل كبير، فيما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع عدد القتلى إلى 694 شخصاً، إلى جانب إصابة 1666 آخرين بجروح متفاوتة.
وتعكس هذه الأرقام الكلفة الإنسانية الباهظة لاستمرار المواجهات، في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية خانقة تحد من قدرتها على التعامل مع تداعيات الحرب، سواء على مستوى الإغاثة أو إعادة الإعمار.
مخاوف من انهيار الهدنة بالكامل
ويرى مراقبون أن استمرار الضربات الإسرائيلية بالتزامن مع التمديد الشكلي لاتفاق وقف إطلاق النار يكشف وجود فجوة كبيرة بين المسار السياسي والواقع الميداني، ما يجعل فرص انهيار الهدنة قائمة في أي لحظة.
كما أن التصعيد الحالي يضع الوسطاء الدوليين أمام اختبار صعب، خاصة في ظل تعقّد المشهد الإقليمي وتداخل الملفات بين لبنان وغزة وسوريا، الأمر الذي يزيد من صعوبة الوصول إلى تهدئة مستقرة وطويلة الأمد.
وتخشى الأوساط السياسية اللبنانية من أن تتحول سياسة “إدارة التصعيد” إلى واقع دائم، يُبقي البلاد تحت ضغط أمني وعسكري مستمر، مع ما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على الاقتصاد والاستقرار الداخلي.
لبنان بين الضغوط العسكرية والانهيار الإنساني
وفي المقابل، يعيش اللبنانيون حالة من القلق المتزايد مع استمرار القصف وتوسّع رقعة التوتر، خصوصاً في المناطق الجنوبية والشرقية التي تعاني بالفعل من أوضاع معيشية صعبة وانهيار الخدمات الأساسية.
وباتت المخاوف الإنسانية تتصدر المشهد، مع تزايد أعداد النازحين وتضرر البنية التحتية والمرافق الحيوية، بينما تحذر منظمات دولية من تفاقم الأوضاع إذا استمر التصعيد خلال الأسابيع المقبلة.
ومع غياب أي مؤشرات حقيقية على تهدئة شاملة، يبدو لبنان عالقاً بين هدنتين؛ واحدة معلنة على الورق، وأخرى غائبة تماماً على الأرض، فيما تستمر المواجهات في رسم مشهد ضبابي مفتوح على كل الاحتمالات.




