في خطوة وُصفت بالمفصلية، بدأ لبنان أمس مرحلة جديدة من مسار إنهاء ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بعدما نجح في التوصل إلى اتفاق يقضي بتسليم دفعات من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى الجيش اللبناني.
وشكّلت المرحلة الرابعة من هذه العملية، التي وصلت إلى مخيم «عين الحلوة» في صيدا، منعطفاً بارزاً في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية التي تحيط بالمخيم الأكبر والأكثر حساسية في البلاد.
وبالتزامن مع هذه التطورات، برزت إشارات انفتاح من حركة «حماس» التي تستعد لجولة حوار مع لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، ما يعزز فرص دفع العملية إلى الأمام رغم التحديات.
تسليم أسلحة من «عين الحلوة» و«البداوي»
الجيش اللبناني أعلن تسلمه حمولة خمس شاحنات من الأسلحة من مخيم عين الحلوة، وثلاث شاحنات أخرى من مخيم البداوي في الشمال.
هذه الخطوة، وفق مصادر عسكرية، تأتي ضمن خطة متدرجة وُضعت بالتنسيق مع لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، وتهدف إلى إغلاق ملف السلاح تدريجياً عبر مراحل متعددة، بما يضمن انتقال المسؤولية الأمنية بشكل كامل إلى الدولة اللبنانية.
لجنة الحوار: محطة أساسية في مسار طويل
لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني وصفت العملية الأخيرة بأنها «محطة أساسية في مسار طويل لإنهاء السلاح الفلسطيني».
وأكدت أن السلاح الذي جرى تسليمه وُضع في عهدة الجيش اللبناني تمهيداً لتأمين المخيمات من أي انفلات أمني، مع الحفاظ على حقوق اللاجئين السياسية والاجتماعية، واعتبرت اللجنة أن نجاح هذه المرحلة سيُشكّل اختباراً لقدرة الأطراف المعنية على الالتزام بالخطة المتدرجة حتى نهايتها.
انفتاح من «حماس» وتحضيرات لحوار قريب
مصادر في حركة «حماس» كشفت عن اجتماع مرتقب مع لجنة الحوار خلال الأيام المقبلة لمناقشة ملف تسليم السلاح وقضايا أخرى مرتبطة بأوضاع المخيمات.
وأشارت المصادر إلى أن «الحركة مثل أي فلسطيني، لديها رؤية وموقف»، في إشارة إلى رغبتها في المشاركة بفاعلية في مسار يوازن بين الأمن والحقوق. هذا الانفتاح يعكس تحوّلاً في موقف «حماس»، التي لطالما تمسكت بدور أمني داخل المخيمات.
ويُعتبر مخيم عين الحلوة الأكثر تعقيداً بين المخيمات الفلسطينية في لبنان، نظراً لتوزع السيطرة فيه بين فصائل متعددة، بعضها يحمل توجهات متشددة. لذلك، فإن تسليم دفعات من السلاح من داخل المخيم يُعد خطوة غير مسبوقة، لكنها لا تخلو من تحديات، إذ لا يزال الخطر قائماً من بقاء أسلحة خارج إطار الخطة الرسمية، أو من محاولات أطراف متضررة عرقلة العملية.
المسار الذي بدأته الدولة اللبنانية يعكس إرادة سياسية واضحة في استعادة سيادتها الأمنية على كامل أراضيها، بما فيها المخيمات الفلسطينية. ورغم أن الطريق ما زال طويلاً ومليئاً بالعقبات، فإن نجاح هذه العملية قد يفتح الباب أمام معالجة ملفات أخرى مرتبطة بالمخيمات، مثل البنية التحتية وحقوق اللاجئين، الأمر الذي قد يحوّل هذه الخطوة إلى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار اللبناني – الفلسطيني المشترك.
خطوة أمنية تعزز حضور الدولة
يرى الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد نزار عبد القادر أن تسلم الجيش اللبناني دفعات من السلاح من مخيم عين الحلوة يشكّل «تطوراً نوعياً يعكس جدية الدولة في بسط سلطتها».
وأشار إلى أن «هذه العملية، وإن كانت رمزية في مرحلتها الأولى، إلا أنها تفتح الباب أمام تعزيز حضور الدولة في مناطق لطالما كانت خارج سيطرتها الفعلية».
من جهته، اعتبر الباحث في الشؤون الفلسطينية د. عصام نصار أن الخطوة الأخيرة «تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الفصائل الفلسطينية بخيار الدولة اللبنانية». وقال: «نجاح هذه المرحلة يرسّخ الثقة المتبادلة، فيما قد يؤدي أي تراجع أو تلكؤ إلى إعادة الملف إلى نقطة الصفر».
انعكاسات على العلاقات اللبنانية – الفلسطينية
الخبير السياسي سامي نجم رأى أن الحوار المرتقب بين «حماس» ولجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني يكتسب أهمية خاصة.
وأوضح أن «مشاركة حماس بجدية في هذه العملية قد تعيد رسم العلاقة مع الدولة اللبنانية على أسس جديدة، وتفتح الباب أمام معالجة ملفات أوسع من السلاح، مثل الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين».
أما المحلل الأمني ماهر الخطيب فلفت إلى أن «تسليم دفعات من السلاح لا يعني أن المخيمات باتت خالية من السلاح بالكامل»، مشيراً إلى أن «هناك مجموعات متشددة لا تزال تحتفظ بترسانات خارج الخطة الرسمية».
وأضاف: «التحدي يكمن في منع هذه الأطراف من تخريب مسار التسوية عبر عمليات أمنية أو اغتيالات».
بداية مسار طويل نحو الاستقرار
الخبيرة في قضايا اللاجئين هالة دياب اعتبرت أن «ما يجري لا يجب قراءته فقط من زاوية أمنية، بل أيضاً من زاوية اجتماعية وسياسية».
وقالت: «إن نجاح هذه العملية يمهّد لمعالجة أعمق لملف المخيمات، بما في ذلك تحسين ظروف المعيشة وفتح آفاق تسوية مستدامة، وهذا ما قد ينعكس استقراراً على الداخل اللبناني ككل».






