تسعى موسكو بشكل واضح إلى تعزيز الروابط مع بكين في قطاع الطاقة، في وقت تواجه فيه روسيا واحدة من أكبر موجات العزلة التي شهدتها منذ انتهاء الحرب الباردة. ومع استمرار العقوبات الغربية على صادرات النفط والغاز والفحم، باتت الصين منفذاً حيوياً يضمن بقاء عجلة الاقتصاد الروسي في الدوران، ويعزز قدرة موسكو على مواجهة التحديات الدولية المتصاعدة.
تعميق الشراكة في زمن التحولات
تشير التصريحات الرسمية الروسية والصينية إلى أن الجانبين يربطان التعاون في الطاقة بعمق استراتيجي طويل المدى، لا يقف عند حدود التجارة التقليدية، بل يمتد إلى الاستثمار المشترك وتبادل التكنولوجيا.
وتظهر زيارة رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ إلى موسكو مدى الاهتمام الصيني بتطوير قنوات موثوقة لاستيراد الطاقة الروسية، في الوقت الذي تبحث فيه بكين عن مصادر مستقرة لمواجهة الطلب المحلي المتزايد.
وتشكل الطاقة مركز الثقل في العلاقات الروسية – الصينية، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو أنها تأتي في ظرف دولي حساس، حيث تحاول موسكو إعادة توجيه صادراتها وفتح أسواق جديدة بعد إغلاق معظم أبواب أوروبا، ويؤكد مسؤولون روس أن العلاقة مع الصين ليست بديلاً عن الغرب فحسب، بل فرصة استراتيجية لإعادة صياغة دور روسيا في الاقتصاد العالمي.
وبالنسبة لبكين، فإن توسيع التعاون في مجال الطاقة مع روسيا ليس خطوة قصيرة المدى، بل جزء من مشروع طويل الأمد يهدف إلى تأمين احتياجاتها وضمان استقرار إمداداتها، مع الاستفادة من انخفاض الأسعار التي توفرها موسكو في ظل ظروفها الجيوسياسية.
التحول شرقاً بعد العقوبات
في أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وجدت روسيا نفسها أمام واقع جديد يتمثل في فقدان معظم أسواقها الأوروبية التقليدية. وإزاء هذا التحول، تسارعت سياسات “التوجه شرقاً” التي تستهدف تحويل الصين إلى الشريك التجاري الأول للطاقة الروسية، وأظهرت بيانات رسمية أن الصين أصبحت أكبر مستورد للنفط الروسي خلال العامين الماضيين، مستفيدة من الخصومات الكبيرة المفروضة على الأسعار.
ولم يكن النفط وحده محور هذا التغيير؛ إذ شهد قطاع الغاز الروسي نقلة نوعية، خاصة بعد تقليص أوروبا اعتمادها على الغاز الروسي، وتعمل موسكو على زيادة قدرات خط “قوة سيبيريا” الذي ينقل الغاز مباشرة إلى الصين، فيما تدرس بناء خطوط إضافية تعمّق ارتباط السوق الصينية بالإنتاج الروسي.
وتشير التحليلات الاقتصادية إلى أن هذا التحول لا يعود فقط إلى الضغوط المالية، بل يتصل برؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل آسيا – وعلى رأسها الصين – إلى مركز رئيسي لاستيعاب صادرات الطاقة الروسية ويمثل هذا التحرك محاولة روسية للحفاظ على توازن اقتصادي يمنع اقتصادها من الدخول في دائرة الانكماش.
كما أن الشركات الروسية بدأت تتكيف مع هذا الواقع الجديد، من خلال توجيه عملياتها التسويقية نحو شرق آسيا، وتوقيع عقود طويلة الأجل مع شركات الطاقة الصينية، بما يضمن استقرار الإيرادات في مواجهة التقلبات العالمية.
هل تستطيع الصين تعويض خسارة أوروبا؟
ورغم التحول الكبير نحو الصين، لا تزال التساؤلات مطروحة بشأن قدرة السوق الصينية على تعويض الحجم الهائل من الطلب الأوروبي الذي كانت موسكو تعتمد عليه لعقود، فبينما تستورد الصين كميات متزايدة من النفط الروسي، إلا أن قدرتها على استيعاب الغاز عبر خطوط الأنابيب تظل محدودة مقارنة بالسوق الأوروبية.
ويرى متخصصون أن الصين تنظر لهذا التعاون من زاوية براجماتية؛ فهي تستفيد من إمدادات رخيصة ومتنوعة، لكنها لا تتعامل مع موسكو باعتبارها بديلاً كاملاً عن أسواق أخرى، بل أحد مصادر التوازن في إستراتيجيتها الطاقوية متعددة المسارات، وهذا يعني أن قدرة روسيا على الاعتماد الكامل على الصين ما زالت محل اختبار.
كما تواجه موسكو تحديات لوجستية تتعلق بنقل النفط والفحم إلى الموانئ الآسيوية، إلى جانب التكاليف العالية الناتجة عن إعادة توجيه مسارات الشحن، ما يقلل من هامش الربح الذي كانت تحققه في الأسواق الأوروبية القريبة.
أما بكين، فهي تتحرك بحسابات دقيقة، إذ تحرص على عدم الانجرار إلى صدام مباشر مع العقوبات الغربية، خاصة في ما يتعلق بالتمويل والتكنولوجيا، مما يجعل بعض المشاريع المشتركة تتقدم بوتيرة أبطأ من المتوقع.
تعاون نووي واستثمارات متبادلة
لم يكن التعاون بين البلدين مقتصراً على النفط والغاز، بل شمل أيضاً توسيع مشاريع الطاقة النووية السلمية، حيث تعمل الشركات الصينية والروسية على تطوير مفاعلات مشتركة، بما يعزز قدرة البلدين على المنافسة في سوق الطاقة العالمية، ويؤكد الجانب الروسي أن التعاون النووي مع الصين يمثل أحد أعمدة “الشراكة الإستراتيجية الخاصة”.
وتطمح موسكو إلى جذب مزيد من الاستثمارات الصينية إلى قطاع التعدين والطاقة المتجددة، بما يتيح لها تعويض نقص التمويل الغربي، وتعتبر بكين السوق الروسية أرضاً خصبة للاستثمارات في مجالات البنية التحتية والموانئ، خاصة مع حاجة موسكو لتطوير قدراتها لنقل الطاقة شرقاً.
ويرى محللون أن هذا النوع من التعاون يفتح الباب أمام بناء سلاسل إمداد مشتركة تمتد من حقول الغاز الروسية إلى المصانع الصينية، ما يمنح الطرفين نفوذاً واسعاً في سوق الطاقة الإقليمية، ويضعهما في موقع متقدم مقارنة بمنافسين آخرين. وتعتبر هذه الشراكة إحدى أدوات بكين لتعزيز حضورها الاقتصادي في أوراسيا.
كما تسعى الدولتان إلى تطوير أنظمة دفع بديلة تقلل من الاعتماد على الدولار، بهدف تأمين معاملاتهما التجارية من أي ضغوط مالية غربية، وهو ما يعد خطوة إضافية لتعميق استقلالية المحور الاقتصادي الذي يبنيه الجانبان.
تعاون يتجاوز التبادل التجاري
يرى : د. بافل أليكسيف، متخصص في اقتصاديات الطاقة الروسية أليكسيف، أن التعاون بين الصين وروسيا في مجال الطاقة تجاوز مرحلة “التبادل التجاري” التقليدي، وأصبح جزءاً من إعادة تشكيل توجهات موسكو الاقتصادية، ويضيف أن روسيا وجدت في الصين شريكاً مستعداً لشراء الطاقة بكميات كبيرة وبأسعار تفاوضية، مما ساعدها على امتصاص جزء من صدمة العقوبات الأوروبية، فيما استفادت بكين من فرصة تقليل اعتمادها على الأسواق الغربية المتقلبة.
ويشير الخبير إلى أن روسيا لم تعد تمتلك رفاهية اختيار الأسواق، فالعقوبات أجبرتها على التحرك بسرعة نحو الشرق لتجنب تراجع عائداتها النفطية والغازية، ويؤكد أن هذا التوجه منح الصين موقعاً تفاوضياً قوياً جعلها المستفيد الأكبر من التحولات الجارية، رغم أن موسكو تسعى للحفاظ على توازن يمنعها من الارتهان لسوق واحدة.
ويرى أليكسيف أن البنية التحتية الحالية للغاز تمثل عقبة أمام موسكو، فخطوط الأنابيب المتجهة إلى الصين ما زالت أقل بكثير من القدرة الاستيعابية التي كانت توفرها أوروبا، ويحتاج بناء خطوط جديدة إلى تمويل ضخم وتكنولوجيا يصعب الحصول عليها في ظل العقوبات، ما يجعل قدرة روسيا على تعويض السوق الأوروبية تحدياً طويل الأمد.
أما بالنسبة للنفط الروسي، فيعتقد الخبير أن الصين ستبقى وجهة رئيسية في السنوات المقبلة، لكنها تتبع سياسة تنويع مستمر للمصادر، مما يجعلها غير مستعدة لتكون “العمود الوحيد” الذي تعتمد عليه موسكو، الأمر الذي يدفع روسيا للبحث عن أسواق إضافية في آسيا لتجنب الاعتماد المفرط على الصين.
الأمن القومي الصيني
يرى د. لي شوانغ، متخصص في سياسات الطاقة الآسيوية شوانغ، أن الصين تنظر إلى الطاقة الروسية من زاوية الأمن القومي، فهي تعتبر الإمدادات القادمة من موسكو عاملاً يوفر استقراراً طويل المدى، خصوصاً في ظل الطلب الصناعي المتزايد، لكنه يؤكد أن بكين، رغم استفادتها الكبيرة من الخصومات السعرية، تحافظ على نهج حذر يمنعها من الارتباط الكامل بمورد واحد مهما كان حجمه.
ويضيف الخبير أن الصين تستفيد من الوضع الروسي الحالي للحصول على إمدادات بأسعار منخفضة، لكنها تتجنب الدخول في مشاريع متقدمة قد تستفز الغرب، مثل الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا النووية أو مشاريع التمويل الخاضعة للعقوبات، ولذلك، فإن بعض المشاريع المشتركة تتحرك بوتيرة بطيئة مقارنة بما يعلنه الطرفان سياسياً.
ويرى لي شوانغ أن روسيا تمثل فرصة مهمة للشركات الصينية التي تتوسع خارج حدودها، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والموانئ وتكرير النفط، لكنه يشير إلى أن الاقتصاد الروسي يواجه تحديات هيكلية تجعل بكين تتريث قبل ضخ استثمارات ضخمة قد تتعرض لمخاطر غير محسوبة.
ويؤكد الخبير أن مستقبل التعاون بين البلدين سيتحدد بناءً على قدرة موسكو على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وعلى مدى تمسك الصين باستراتيجية تنويع مصادر الطاقة، ويشير إلى أن قوة الشراكة لا تعني أنها بديل كامل عن الأسواق الغربية، بل جزء من شبكة توازنات تبنيها بكين لضمان أمنها الطاقوي العالمي.






