تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تكشف بوضوح النهج الإسرائيلي في التعامل مع الحرب المستمرة على قطاع غزة، إذ ربط نهاية الحرب بإفراج حركة «حماس» عن الرهائن وتخليها عن السلاح، وهو شرط يعكس تمسك الحكومة الإسرائيلية بالمقاربات الأمنية البحتة ورفض أي مقاربة سياسية شاملة للأزمة. هذا الطرح يأتي في مقابل موقف «حماس» الثابت منذ أشهر، والذي يشترط إنهاء الحرب وسحب القوات الإسرائيلية كمدخل لأي صفقة تبادل، ما يضع الطرفين في معادلة مغلقة تُبقي أفق الحل بعيدًا.
رؤية إسرائيلية أحادية
اللافت في تصريحات ساعر أنه لم يكتف بوضع شروط لإنهاء الحرب، بل ربط مستقبل القضية الفلسطينية ككل برؤية إسرائيلية أحادية، حيث اعتبر أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تفاهمات ثنائية، وأن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية لا يقرّب السلام بل يهدد أمن إسرائيل. هذه الرؤية تعكس رفضًا إسرائيليًا متجددًا لأي مسار سياسي تقوده الشرعية الدولية أو المجتمع الدولي، كما تحمل رسالة تحذير مبطنة إلى الدول الأوروبية التي تدرس أو نفذت خطوات للاعتراف بدولة فلسطين.
المؤتمر الصحافي كشف أيضًا عن تباين واضح في المواقف بين إسرائيل والدنمارك. فوزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن أوضح أن إسرائيل لا تملك حق الاعتراض على قرار بلاده إذا اختارت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإن كان قد أكد أن كوبنهاغن ليست مستعدة لاتخاذ هذه الخطوة حاليًا.
ومع ذلك، حرص على التشديد على ضرورة وقف الحملة العسكرية في غزة، وطالب إسرائيل بتمكين نقل الجرحى والمصابين إلى القدس الشرقية والضفة الغربية للعلاج، كما عبّر عن قلق بلاده من التوسع الاستيطاني في الضفة. هذا الموقف يعكس ما يمكن وصفه بـ”الموقف الأوروبي الوسطي”: انتقاد السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة، مع التردد في اتخاذ خطوات سياسية عملية مثل الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية.
تفاقم الكارثة الإنسانية
تحليل هذه المواقف المتباينة يُظهر أن إسرائيل لا تزال تراهن على تثبيت معادلة تجعل من أي حل سياسي رهينًا لمطالبها الأمنية، في حين يسعى الأوروبيون إلى الموازنة بين تضامنهم مع المدنيين الفلسطينيين ومصالحهم مع إسرائيل. لكن مع استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، قد تجد بعض العواصم الأوروبية نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في مواقفها المعلنة والانتقال نحو خطوات أكثر عملية، مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الضغط لتطبيق وقف دائم لإطلاق النار.
في هذا السياق، تبدو تصريحات ساعر جزءًا من حملة دبلوماسية إسرائيلية هدفها الأساسي إحباط أي دينامية أوروبية أو دولية قد تمنح القضية الفلسطينية زخمًا سياسيًا جديدًا. ومع ذلك، فإن اتساع الهوة بين الرواية الإسرائيلية ومخاوف المجتمع الدولي بشأن غزة والضفة الغربية قد يجعل من الصعب على تل أبيب الاستمرار في فرض رؤيتها أحادية الجانب دون مواجهة ضغوط متزايدة.






