في شرق مدينة غزة، يحاول المزارع الفلسطيني تيسير دهدوح استعادة ما تبقى من أرضه الزراعية في منطقة الزيتون، بعدما حولت الحرب حقوله إلى مساحة خالية من الدفيئات الزراعية التي كانت تؤمن مصدر رزقه قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويعمل دهدوح اليوم على إعادة زراعة الخيار والطماطم، لكن المهمة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد حراثة الأرض، إذ يواجه نقصاً حاداً في البذور والأسمدة ومعدات الزراعة، إضافة إلى أزمة المياه التي أصبحت أحد أكبر التحديات أمام استئناف الإنتاج الزراعي.
وتعكس قصته واقع آلاف المزارعين الذين عادوا إلى أراضيهم ليجدوا أن الحرب لم تدمر المحاصيل فحسب، بل قضت أيضاً على المقومات الأساسية للإنتاج.
الأمم المتحدة تدعم استئناف الإنتاج الزراعي
في محاولة للحد من الانهيار الزراعي، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) برامج لدعم الأسر العائدة إلى المناطق الزراعية، شملت توفير 200 وحدة سكنية مؤقتة لإيواء العائلات التي استأنفت نشاطها الزراعي.
وأوضح رئيس مكتب البرنامج في غزة، أليساندرو مراكيتش، أن عدداً من المزارعين تمكنوا بالفعل من العودة إلى إنتاج محاصيل مثل الطماطم والباذنجان والملوخية، في خطوة تهدف إلى إعادة جزء من الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وفي السياق ذاته، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) توسيع برنامج المساعدات النقدية ليستفيد منه نحو 1500 مزارع فلسطيني، بهدف تمكينهم من زراعة أراضيهم خلال موسم 2026 وإنتاج كميات من الخضروات تكفي لإطعام أكثر من مئة ألف شخص.
الزراعة… ركيزة للأمن الغذائي وليست مجرد نشاط اقتصادي
تمثل الزراعة في قطاع غزة أكثر من مجرد مصدر دخل، فهي إحدى الركائز الأساسية للأمن الغذائي في منطقة تعاني من الحصار والقيود على حركة البضائع منذ سنوات.
ومع تراجع الإنتاج المحلي، ازدادت تبعية السكان للمساعدات الغذائية، في وقت تتعرض فيه سلاسل الإمداد لضغوط كبيرة بسبب استمرار العمليات العسكرية وصعوبة إدخال المستلزمات الزراعية.
ويرى خبراء التنمية أن إعادة تشغيل القطاع الزراعي تمثل استثماراً في الاكتفاء الذاتي، إذ يساهم كل حقل يعود للإنتاج في تخفيف الضغط على برامج الإغاثة الإنسانية.
مساحات زراعية تتقلص تحت وطأة الحرب
رغم المبادرات الدولية، تحذر منظمة الأغذية والزراعة من أن المزارعين يعملون داخل مساحة تتقلص باستمرار نتيجة استمرار العمليات العسكرية، ما يحد من قدرتهم على الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الصيد.
كما تؤكد المنظمة أن استعادة الإنتاج تتطلب توفير وصول آمن إلى الأراضي الزراعية، إلى جانب إدخال البذور والأسمدة وأنظمة الري والآليات الزراعية ومعدات الصيد، باعتبارها عناصر أساسية لإحياء الاقتصاد الزراعي في القطاع.
ويعني استمرار القيود أن كثيراً من الأراضي الخصبة قد تبقى خارج دائرة الإنتاج، الأمر الذي يفاقم أزمة الغذاء ويقلل فرص التعافي الاقتصادي.
تمويل دولي… لكن الاحتياجات أكبر
على الصعيد الدولي، رحب نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، راميز ألكباروف، بتعهد ثماني دول بتقديم نحو 58 مليون دولار لصندوق الأمم المتحدة المخصص لدعم التعافي في الأراضي الفلسطينية، داعياً دولاً أخرى إلى المساهمة في تمويل جهود إعادة الإعمار والتنمية.
ويرى مسؤولون أمميون أن التمويل وحده لا يكفي، ما لم يترافق مع تسهيلات تسمح بتنفيذ المشاريع وإدخال المعدات والمواد اللازمة لإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الزراعة.
أزمة إنسانية تتجاوز الغذاء
بالتوازي مع الأزمة الزراعية، يواصل برنامج الأغذية العالمي التحذير من تدهور الأوضاع الإنسانية، مؤكداً أن مئات الآلاف من النازحين يواجهون خطر فقدان الوصول إلى الخدمات الأساسية، في ظل استمرار القيود الأمنية وصعوبة إيصال المساعدات.
ورغم هذه التحديات، تمكن البرنامج وشركاؤه من توزيع مساعدات غذائية على أكثر من ربع مليون شخص خلال الأيام الاثني عشر الأولى من الشهر، في محاولة للتخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة.
وفي الجانب التعليمي، وزعت الجهات الإنسانية أكثر من 5440 مجموعة تعليمية، ما أتاح لنحو 217 ألف طفل المشاركة في الأنشطة التعليمية الصيفية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية رغم ظروف الحرب.
الزراعة… عنوان الصمود وإعادة البناء
تكشف الجهود الجارية في غزة أن إعادة إعمار القطاع لا تبدأ بإصلاح المباني وحدها، بل بإحياء الأرض التي توفر الغذاء وفرص العمل والاستقرار للمجتمع. وبينما يحاول المزارعون استعادة دورة الإنتاج وسط نقص الموارد واستمرار المخاطر الأمنية، يبقى مستقبل الأمن الغذائي في القطاع مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على توفير الدعم، وبإتاحة الظروف التي تسمح للزراعة بأن تعود من جديد إلى أداء دورها الحيوي في حياة أكثر من مليوني فلسطيني.






