أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الدعم العسكري الذي تعتزم القاهرة تقديمه للسعودية يقتصر على الجانب الدفاعي، نافيا وجود خطط لشن هجمات داخل اليمن، في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين المملكة والحوثيين المدعومين من إيران. وتضع التطورات القاهرة أمام معادلة دقيقة تجمع بين التزاماتها تجاه الرياض، والحذر من الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة، فضلا عن المخاوف من تداعيات التصعيد على الملاحة في البحر الأحمر وإيرادات قناة السويس.
السيسي: حماية السعودية دون شن هجمات في اليمن
قال السيسي، الأربعاء، خلال كلمة ألقاها في أحد المنتديات، إن الهدف من الدعم المصري يتمثل في الدفاع عن أراضي السعودية وحدودها، وكذلك أراضي أي دولة عربية أخرى تطلب المساعدة من القاهرة.
وأضاف أن ما تردد بشأن استعداد مصر لشن هجوم على اليمن لا يعكس طبيعة التحرك المصري، مؤكدا أن بلاده لا تخطط لتنفيذ عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية.
وتأتي هذه التصريحات بعدما أعلن الرئيس المصري، السبت، استعداد بلاده لمساندة حليفتها السعودية، مع التشديد على أن أي دعم عسكري سيكون دفاعيا.
وفي هذا السياق، زار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس المخابرات المصرية العاصمة السعودية الرياض، الأربعاء، وسلّما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رسالة من السيسي، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السعودية.
وتعكس هذه التحركات تنسيقا سياسيا وأمنيا بين القاهرة والرياض، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية والتهديدات التي تطال المنشآت الحيوية السعودية.
تصعيد ميداني يعيد المواجهة إلى الواجهة
عاد الصراع بين الحوثيين والسعودية إلى التصعيد في يوليو/تموز، بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب جولات من المواجهات امتدت لأكثر من عقد.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، وسّع الحوثيون سيطرتهم على أجزاء من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر في سبتمبر/أيلول، وصعّدوا هجماتهم على السعودية منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول، مستهدفين خصوصا منشآت نفطية ومطارات.
ويثير هذا التصعيد مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية السعودية، فضلا عن احتمالات اتساع نطاق المواجهة إلى الممرات البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر.
وتواجه الرياض تحديا يتمثل في حماية بنيتها التحتية ومصالحها الاقتصادية، في حين تسعى القاهرة إلى إظهار دعمها لحليفتها دون الانخراط في عمليات قد تفتح جبهة عسكرية جديدة أمام القوات المصرية.
ومن شأن طبيعة هذا الدعم أن تحدد إلى حد كبير مدى انخراط مصر في الأزمة، خصوصا إذا استمرت الهجمات أو توسعت لتشمل مزيدا من المنشآت الحيوية.
تحذير إيراني من التدخل العسكري
في المقابل، حذرت إيران مصر والدول الأخرى من التدخل المباشر في الصراع اليمني، معتبرة أن أي وجود عسكري أجنبي قد يزيد فرص التصعيد ويعقد التوصل إلى تسوية.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع التلفزيون العراقي الرسمي، إن التدخل الخارجي لن يؤدي إلا إلى جعل حل الأزمة أكثر صعوبة، مشيرا إلى أن مصر تمتلك خبرة كافية لتجنب الانخراط في صراع معقد.
وأضاف أن القاهرة أكدت، بحسب تصريحاته، أنها لا تعتزم دخول اليمن وخوض حرب ضد الحوثيين.
وتكشف هذه المواقف عن تباين في الحسابات الإقليمية؛ فبينما تسعى السعودية إلى تعزيز حماية أراضيها ومنشآتها، تحذر طهران من أن توسيع نطاق التدخلات العسكرية قد يؤدي إلى تعقيد النزاع ورفع كلفته.
وبالنسبة إلى القاهرة، فإن الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض، بالتوازي مع تجنب مواجهة مباشرة مع إيران أو الحوثيين، يمثل أحد الاعتبارات الرئيسية في تحديد طبيعة تحركها.
ذاكرة التدخل في اليمن تثقل حسابات القاهرة
لا ينفصل الحذر المصري عن تجربة التدخل العسكري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، عندما شاركت القوات المصرية في الحرب الأهلية اليمنية، وخسرت آلاف الجنود خلال سنوات القتال.
ولا تزال تلك التجربة حاضرة في النقاشات المتعلقة بأي تدخل عسكري مصري جديد في اليمن، بالنظر إلى تعقيدات الجغرافيا المحلية وصعوبة حسم النزاعات الممتدة عبر القوة العسكرية وحدها.
وعلى الرغم من انضمام مصر عام 2015 إلى التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، فإن القاهرة لم تتجه لاحقا إلى الانخراط في حرب برية واسعة داخل اليمن، مفضلة التركيز على حماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
كما حافظت مصر على قنوات اتصال مع أطراف إقليمية متعارضة، في إطار سعيها إلى أداء دور الوسيط وتجنب الانجرار إلى صراعات قد تتجاوز أهدافها المعلنة.
ويفسر هذا النهج تمسك السيسي بوصف الدعم المرتقب بأنه دفاعي، بما يسمح للقاهرة بإظهار التضامن مع الرياض دون إعلان الانخراط في حملة هجومية داخل اليمن.
أمن البحر الأحمر وقناة السويس في قلب الأزمة
إلى جانب الاعتبارات العسكرية والسياسية، تحمل التطورات في اليمن أبعادا اقتصادية مباشرة بالنسبة إلى مصر، التي تأثرت إيرادات قناة السويس لديها منذ بدء الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر عام 2023، على خلفية الحرب في قطاع غزة.
ويكتسب مضيق باب المندب أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يشكل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويمثل ممرا رئيسيا للسفن المتجهة إلى قناة السويس أو المغادرة منها نحو المحيط الهندي.
وأي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبر المضيق قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في حركة التجارة العابرة للقناة.
كما أن تهديد الحوثيين بفرض حصار على حركة السفن المرتبطة بالسعودية يضيف بعدا اقتصاديا إلى المواجهة، في ظل أهمية المملكة بوصفها أحد أبرز مصدري النفط عالميا.
وبالنسبة إلى مصر، لا يقتصر أمن البحر الأحمر على حماية حدودها ومصالحها البحرية، بل يرتبط أيضا بإيرادات قناة السويس ودورها في حركة التجارة الدولية.
القاهرة بين التضامن مع الرياض وتجنب الحرب
تضع التطورات الأخيرة مصر أمام توازن دقيق بين دعم السعودية، والحفاظ على هامش المناورة الدبلوماسية، وتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة داخل اليمن.
فالتأكيد على الطابع الدفاعي للدعم يسمح للقاهرة بتوجيه رسالة تضامن إلى الرياض، في الوقت الذي تحاول فيه الحد من احتمالات التصعيد مع إيران والحوثيين.
لكن استمرار الهجمات على السعودية أو توسعها نحو الممرات البحرية قد يفرض ضغوطا إضافية على هذا الموقف، خصوصا إذا تطلبت حماية المنشآت الحيوية والملاحة إجراءات عسكرية أوسع.
وفي المقابل، فإن أي تدخل مباشر داخل اليمن قد يعيد إلى الواجهة التحديات التي واجهتها القوات المصرية في ستينيات القرن الماضي، ويضع القاهرة أمام التزامات عسكرية يصعب تحديد مداها مسبقا.
وبين هذه الاعتبارات، يبدو أن الموقف المصري يركز حاليا على دعم أمن السعودية مع تجنب إعلان مشاركة هجومية في اليمن، فيما ستظل طبيعة التحرك الفعلي مرتبطة بتطورات الميدان ومدى اتساع التهديدات التي تواجه المملكة وأمن الملاحة في البحر الأحمر.






