تتزايد المؤشرات في الأسابيع الأخيرة على أن العلاقة بين مصر وإسرائيل دخلت مرحلة توتر غير مسبوقة منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. السبب المباشر هو ملف غزة واحتمال تهجير سكانها نحو سيناء، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي. وبينما تبدو القاهرة عازمة على استخدام لغة استعراض القوة والانتشار العسكري على الحدود، تتعالى في إسرائيل أصوات تحذّر من فقدان السيطرة على مسار الأحداث. هذا الوضع يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يمكن أن يؤدي الضغط المتبادل إلى مواجهة عسكرية محدودة أو حتى حرب خاطفة؟ وما الذي يميز اللحظة الراهنة عن تجارب 1967 و1973 التي شكّلت منعطفات كبرى في تاريخ المنطقة؟
التحركات المصرية: من الدفاع إلى الردع
كشفت تقارير صحفية أن مصر أبلغت إسرائيل والولايات المتحدة عبر قنوات التنسيق الأمني بأنها ستضاعف قواتها على الحدود مع غزة خلال 72 ساعة إذا حاولت تل أبيب دفع الفلسطينيين قسرًا نحو سيناء. كما لوّحت القاهرة بنقل أسلحة ثقيلة ومقاتلات إلى المنطقة “C” منزوعة السلاح بموجب اتفاقية كامب ديفيد. الرسالة واضحة: أي محاولة إسرائيلية لفرض واقع ديموغرافي جديد ستُعتبر تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
هذا التحرك يعكس انتقال العقيدة المصرية من سياسة “التحصين الدفاعي” إلى “الردع الاستباقي”. فالقاهرة لا تلوّح بالحرب الهجومية، لكنها تريد إقناع إسرائيل بأن ثمن أي تهجير جماعي سيكون مكلفًا للغاية، بما يحد من اندفاع صناع القرار في تل أبيب نحو خيارات قصوى.
الموقف الإسرائيلي: قلق مضاعف على جبهتين
من الجانب الآخر، تبدو إسرائيل مأزومة. فهي تخوض حرب استنزاف طويلة في غزة، وتواجه تهديدات متصاعدة من حزب الله على حدودها الشمالية. في هذا السياق، ترى المؤسسة الأمنية أن أي تعزيز مصري في سيناء يُضيف طبقة جديدة من التعقيد الاستراتيجي. إسرائيل تخشى بالأساس أن تتحوّل التحركات المصرية إلى ورقة ضغط عربية جماعية، خصوصًا مع تداول فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة ردًا على ضرباتها في المنطقة.
لكن الخطر الأكبر بالنسبة لإسرائيل يكمن في احتمالية أن تستغل القاهرة اللحظة لإعادة تعريف دورها في غزة، عبر تعزيز نفوذها في المعابر والملفات الإنسانية، وهو ما قد يُفسر في تل أبيب على أنه تهديد مزدوج للأمن والشرعية.
التداعيات الاقتصادية: أسواق الطاقة وقناة السويس تحت المجهر
أي انزلاق إلى مواجهة—even لو كانت محدودة أو “خاطفة”—سيرتد سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد البحرية، لأن مصر تمسك بمفاتيح بوابتين حيويتين: قناة السويس وممرّات الغاز شرق المتوسط. قناة السويس، التي يمر عبرها ما يقارب عُشر التجارة البحرية العالمية ونحو 10–12% من تجارة النفط والمنتجات المكررة، ستتعرض فوراً لـ«علاوة مخاطر» تُترجم إلى ارتفاع أقساط التأمين البحري (War Risk Premium) وإعادة توجيه جزء من الأساطيل حول رأس الرجاء الصالح، بما يطيل زمن الشحن ويزيد كلفة البرميل والطنّ المنقول. هذا الأثر لا يقتصر على النفط الخام؛ فأسواق الديزل والمنتجات المكررة، التي تعتمد على تدفقات متبادلة بين الشرق والغرب عبر المتوسط–السويس، ستشهد اختناقات سريعة وارتفاعات حادّة في الهوامش (crack spreads)، خصوصاً في أوروبا التي تعاني أصلاً من فجوة تكرير بعد إعادة تشكيل تدفقاتها بعيداً عن روسيا. وفي الغاز، سيعني أي توتر يطال أمن البنية التحتية أو الملاحة في شرق المتوسط تشدداً إضافياً في سوق الغاز الطبيعي المُسال (LNG): فمصر لاعب مركزي في تسييل الغاز وإعادة تصديره من محطات إدكو ودمياط، وأي تقييد لوتيرة الشحن أو لعمليات التحميل سيضغط على الأسعار الآنية في أوروبا وآسيا، ويقوّض جهود موازنة المخزونات قبل الشتاء. أضِف إلى ذلك أن شركات الشحن وناقلات الغاز ستُعيد تسعير المخاطر فوراً، ما يرفع معدلات الإيجار اليومي (charter rates) ويؤثر على جداول التسليم.
هل الحرب الخاطفة احتمال واقعي؟
مقارنة مع 1967 و1973
-
في 1967، شنّت إسرائيل حربًا خاطفة استباقية حسمت التوازن خلال أيام قليلة بفضل التفوق الجوي والمباغتة الكاملة.
-
في 1973، بادرت مصر وسوريا إلى هجوم مفاجئ حقق اختراقًا تاريخيًا على قناة السويس والجولان قبل أن يتدخل العامل الأميركي لتثبيت الوضع.
اليوم، المشهد مختلف:
-
التوازن العسكري: الجيش المصري حديث ومزوّد بأسلحة غربية وروسية متطورة، لكنه يركز على الردع وحماية الحدود، لا المبادرة الهجومية. في المقابل، تعاني إسرائيل من إنهاك جبهتين متزامنتين.
-
السياق الإقليمي: لم تعد المنطقة مقسمة بوضوح إلى محور عربي وإسرائيلي، بل تتشابك فيها اتفاقيات تطبيع وضغوط شعبية متعاطفة مع الفلسطينيين.
-
الدور الدولي: واشنطن أقل قدرة على ضبط إيقاع المنطقة بسبب انشغالها بأوكرانيا والصين، فيما موسكو غارقة في حرب استنزاف شرقية.
كل ذلك يجعل سيناريو الحرب الخاطفة ممكنًا من الناحية النظرية، لكنه محفوف بالمخاطر للطرفين. بالنسبة لمصر، أي حرب واسعة قد تهدد اقتصادها المنهك وتستنزف قدراتها. أما إسرائيل، فإن فتح جبهة جديدة مع الجيش المصري قد يعني انهيار اتفاقية كامب ديفيد وتفكك شبكة التطبيع الإقليمي.
السيناريوهات المستقبلية
-
ردع متبادل دون مواجهة: وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا، حيث تبقى التحركات المصرية في إطار استعراض القوة، بينما تتجنب إسرائيل تجاوز “الخطوط الحمراء” المتعلقة بالتهجير.
-
مواجهة محدودة على الحدود: قد تنفجر اشتباكات قصيرة إذا حاولت إسرائيل دفع المدنيين نحو رفح أو إذا اعتُبر تحرك مصري تهديدًا مباشرًا.
-
حرب خاطفة غير محسوبة: في حال قررت إسرائيل القيام بضربة استباقية ضد التعزيزات المصرية، كما فعلت في 1967، لكنها ستكون مغامرة قد تطيح بالمعادلة الإقليمية بأكملها.
-
إعادة إحياء الدور الأميركي: يمكن أن تتدخل واشنطن بقوة لإعادة ضبط التوتر، عبر فرض ترتيبات جديدة للمعابر وضمانات متبادلة لوقف التصعيد.
كامب ديفيد أمام اختبار حقيقي
الوضع الحالي بين مصر وإسرائيل يقف عند مفترق طرق خطير. فبينما تؤكد القاهرة أنها لن تسمح بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، تتمسك تل أبيب بخياراتها العسكرية في غزة، ما يضع اتفاقية كامب ديفيد أمام اختبار حقيقي. الحرب الخاطفة ليست السيناريو المرجّح، لكنها لم تعد مستحيلة إذا استمر التصعيد بلا ضوابط. في النهاية، مستقبل العلاقة بين القاهرة وتل أبيب لن يُحدد فقط على ضوء غزة، بل أيضًا في ضوء قدرة النظامين على موازنة اعتبارات الأمن القومي مع استحقاقات الاستقرار الإقليمي، في منطقة تتأرجح دوماً بين السلام الهش والحرب المفاجئة.






