في خطوة فاجأت الأوساط السياسية الأميركية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استقباله رئيس بلدية نيويورك المنتخب زهران ممداني داخل المكتب البيضاوي، في لقاء بدا للكثيرين خارج المتوقع تماماً، نظراً لما يمثله الطرفان من تضاد سياسي وفكري يكاد يصل إلى حد العداء الصريح.
ترمب يمدّ يده لخصم أيديولوجي… فهل تغيّرت قواعد اللعبة؟
هذا الإعلان لم يأتِ في سياق طبيعي، بل في لحظة احتدام سياسي يعيشها الداخل الأميركي، حيث تتصادم الرؤى بين اليمين الشعبوي الذي يقوده ترمب، واليسار التقدمي الصاعد الذي بات ممداني أحد أبرز رموزه داخل المدن الأميركية الكبرى، ومع ذلك، قرر ترمب فتح الباب لهذا اللقاء، في خطوة تحمل دلالات أعمق من مجرد زيارة بروتوكولية.
اللافت في الإعلان هو اللهجة التي استخدمها ترمب على منصته «تروث سوشل»، وهي لهجة تجمع بين الهجوم والسخرية وبين إظهار السيطرة على المشهد، حين وصف ممداني بأنه «رئيس بلدية نيويورك الشيوعي» قبل أن يؤكد أنه وافق على اللقاء.
هذا الأسلوب يعكس استراتيجية ترمب الثابتة: تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على مواجهة خصومه الأيديولوجيين من موقع قوة، وفي الوقت ذاته منح نفسه فرصة لاستقطاب شرائح جديدة من الناخبين الذين يرون في الخطاب اليساري المتطرف تهديداً لنمط الحياة الأميركي التقليدي. ويبدو أن ترمب اختار هذه اللحظة تحديداً لإرسال رسالة مزدوجة إلى الداخل الأميركي: أنه رئيس قادر على فرض قواعد اللعبة حتى على خصومه.
وفي المقابل، ينظر أنصار ممداني إلى اللقاء باعتباره خطوة ضرورية للتفاوض حول الملفات العالقة بين الحكومة الفدرالية ونيويورك، خصوصاً ما يتعلق بملفات الهجرة والإسكان والشرطة، وهي ملفات تمثل جوهر المشروع السياسي لليسار الأميركي داخل المدن الكبرى.
ويعتقد مقربون من ممداني أن الظهور داخل المكتب البيضاوي لا يمثّل تنازلاً سياسياً، بل فرصة لعرض الأولويات التقدمية مباشرة أمام رئيس مُعادٍ لأفكار اليسار، بهدف انتزاع بعض المكاسب العملية التي قد تُحتسب لصالح المدينة وسياستها المحلية، ومع ذلك، فإن هذا الموقف لا ينفي وجود مخاوف من استغلال ترمب للّقاء لتحقيق مكاسب سياسية خاصة به.
ورغم أن اللقاء يبدو رسمياً في ظاهره، إلا أن توقيته يطرح أسئلة شائكة حول ما إذا كان ترمب يسعى فعلاً إلى تخفيف حدة الاستقطاب السياسي، أم أنه يحاول استيعاب صعود اليسار داخل المدن من خلال احتوائه واستغلاله، فترمب الذي يدرك أن المدن الكبرى تمثل نقطة ضعف لحزبه، يرى ربما في هذا اللقاء فرصة لإعادة تشكيل صورة الجمهوريين داخل المساحات الحضرية. وفي هذا السياق، يعتبر مراقبون أن الاتفاق على اللقاء جاء بعد ضغوط من مؤسسات داخل نيويورك قلقة من الدخول في صدام مفتوح مع الإدارة الفدرالية الجديدة.
رسالة سياسية أم مناورة انتخابية؟
تشير المؤشرات الأولية إلى أن إدارة ترمب تسعى من خلال هذا اللقاء إلى إرسال رسالة طمأنة للناخبين المعتدلين الذين يشعرون بالقلق من تصاعد الخطاب اليميني بشكل يصعب احتواؤه، فترمب يريد إظهار نفسه، ولو بشكل رمزي، على أنه القادر على إدارة حوار مع من يصفهم عادة بـ«اليسار الراديكالي»، مما يمنحه مساحة أوسع لدى الفئات الرمادية التي لا تنتمي بقوة لأي من التيارين السياسيين. وهذا النهج، رغم تناقضه الظاهري مع أسلوب ترمب التقليدي، يعكس رغبة واضحة في إعادة تشكيل صورته بعد العودة إلى البيت الأبيض.
وفي السياق ذاته، يرى مراقبون أن ترمب يدرك تماماً أن نيويورك ليست مجرد مدينة، بل مركز اقتصادي وإعلامي وثقافي يمارس تأثيراً ضخماً على الولايات المتحدة، وبالتالي، فإن اللقاء مع رئيس بلديتها — حتى لو كان يسارياً — يمنح ترمب فرصة لتعزيز حضوره السياسي داخلها، خصوصاً مع توسع قاعدته في الضواحي المحيطة خلال السنوات الأخيرة. ومن هذا المنطلق، يصبح اللقاء وسيلة لإعادة فتح قنوات الاتصال مع مدينة لطالما خاض فيها ترمب معارك سياسية وإعلامية شرسة.
وفي المقابل، قد يكون ممداني نفسه يسعى إلى استثمار اللقاء لإعادة صياغة صورته كزعيم قادر على بناء الجسور مع خصومه بمنطق براغماتي، بما يعزز مكانته داخل اليسار الأميركي ويوسّع دائرة شرعيته خارج حدود نيويورك، فالرجل الذي يواجه اتهامات مستمرة من قبل الإعلام اليميني بأنه «متطرف» أو «شيوعي»، يدرك أن الظهور في المكتب البيضاوي قد يمنحه فرصة نادرة لتقديم نفسه كقائد مسؤول لا يتهرب من الحوار مهما كان صعباً.
وبينما يستعد الطرفان للقاء، تتصاعد التكهنات حول الملفات التي ستطرح على الطاولة، والتي يتوقع أن تشمل قضايا الأمن، الإسكان، سياسات الشرطة، ومستقبل المهاجرين داخل المدينة، ومع أن هذه الملفات تحمل حساسية عالية، فإن اللقاء نفسه يعكس استعداداً من كلا الطرفين لكسر الجمود السياسي، ولو جزئياً. غير أن كثيرين يعتقدون أن جوهر اللقاء قد لا يكون في ما سيتم الاتفاق عليه، بل في الصورة التي سيخرج بها كل طرف أمام جمهوره.
لماذا الآن؟ قراءة في توقيت اللقاء
يأتي اللقاء في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة انقساماً سياسياً غير مسبوق، إذ تتسع الهوة بين اليسار التقدمي واليمين الشعبوي في كل الملفات تقريباً، من الهجرة والسياسات الأمنية إلى الاقتصاد والضرائب.
وفي هذا السياق المحتقن، يصبح اللقاء حدثاً غير اعتيادي يعكس وجود مصالح سياسية متبادلة تتجاوز الخطاب الأيديولوجي. فترمب يدرك أن ولايته الثانية تحتاج إلى تهدئة الجبهات الداخلية، بينما يرى ممداني أن بقاء نيويورك في صدام دائم مع الإدارة الفدرالية قد يخلق توترات لا تتحملها المدينة.
وقد يكون التوقيت أيضاً مرتبطاً برغبة ترمب في الظهور بمظهر «الرئيس المنفتح» قبل بدء معاركه التشريعية الكبرى في الكونغرس، خاصة بعد أن اتخذ سلسلة قرارات واجهت انتقادات واسعة من الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين على حد سواء.
ومن هنا، يبدو اللقاء بمثابة خطوة محسوبة للحد من الهجمات الإعلامية وإعادة توجيه المشهد نحو صورة أكثر اتزاناً. وفي الوقت ذاته، فإن قبول ممداني باللقاء في هذا التوقيت يعكس إدراكه لحساسية المرحلة وضرورة كسر الجمود السياسي.
كما يشير مراقبون إلى أن اللقاء قد يُستخدم كورقة ضغط على قادة الولايات الزرقاء الأخرى، مثل كاليفورنيا وإلينوي، التي تختلف بحدة مع الإدارة الفدرالية حول ملفات المناخ والضرائب والهجرة، فالرسالة غير المباشرة هي أن الحوار ممكن — وأن من يرفضه قد يتحمل تكلفة سياسية أمام ناخبيه.
وهذه الرسالة، في حال نجاحها، قد تعيد بناء مسار تفاوضي جديد بين البيت الأبيض والمدن الكبرى التي ترى نفسها في مواجهة مفتوحة مع السياسات الجمهورية.
ومع أن اللقاء يبدو وكأنه خطوة نحو التهدئة، إلا أن بعض المحللين يرون فيه مناورة سياسية بامتياز، تهدف إلى إرباك اليسار الأميركي من الداخل، خصوصاً أن ممداني يمثل نموذجاً صاعداً للسياسيين التقدميين الذين يحظون بدعم شعبي ملحوظ، وبالتالي، فإن احتواءه — أو على الأقل إظهار أنه قابل للاحتواء — قد يضعف التيار التقدمي الذي يطمح لتوسيع نفوذه في المدن الأميركية.
ما وراء الصورة.. كيف يفكّر ترمب؟
يعرف ترمب جيداً أهمية الصورة السياسية، ويستخدمها منذ سنوات كأداة أساسية للتأثير على الرأي العام. وبالنسبة له، فإن مجرد ظهور رئيس بلدية يساري في المكتب البيضاوي يشكل مكسباً إعلامياً كبيراً، بصرف النظر عن النتائج الفعلية، فالصورة وحدها كافية لإقناع بعض المترددين أن ترمب لا يرفض الحوار مع خصومه، حتى لو كانت لغته العلنية تجاههم هجومية، وهذا التكتيك يمكّنه من إعادة تشكيل روايته السياسية بطريقة تتناسب مع المرحلة الحالية.
ويُرجّح خبراء أن ترمب يسعى من وراء اللقاء إلى اختبار مدى استعداد اليسار للجلوس على طاولة واحدة، وبالتالي معرفة حجم التنازلات المحتملة التي يمكن أن يحصل عليها مستقبلاً في المفاوضات الكبرى، فترمب، رغم خطابه المتشدد، يفضّل التفاوض في الكواليس، وغالباً ما يستخدم اللقاءات الرمزية كبداية لمسار سياسي طويل المدى. ومن هنا، قد يشكل لقاء ممداني بداية لصفقات لاحقة تتعلق بميزانيات المدن والبنية التحتية.
أما على الجانب السياسي، فإن ترمب يدرك أن اليسار الأميركي بات أكثر قدرة على التأثير داخل المدن وعلى وسائل الإعلام، مما يجعل التحاور معه ضرورة وليس خياراً، ولذلك، فإن هذا اللقاء لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي يحاول فيه ترمب إعادة موازنة القوى داخل المشهد السياسي الأميركي، عبر خلق مساحات تقاطع صغيرة تخفف حدة المواجهة المباشرة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أن اللقاء قد يُستخدم لتعزيز الهجوم على «التقدميين الراديكاليين» لاحقاً، فبعد أن يجلس معهم، يستطيع ترمب القول لاحقاً إنه حاول الحوار ولكن «الطرف الآخر غير واقعي»، وهي استراتيجية استخدمها سابقاً مع الديمقراطيين في ملفات الهجرة والإنفاق. وبالتالي، يصبح اللقاء سلاحاً ذا حدّين يمنح ترمب مرونة سياسية واسعة.
اللقاء اختبار استراتيجي لحدود اليسار
يرى د. إيثان برينر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، أن اللقاء بين ترمب وممداني لا يمكن قراءته بمعزل عن محاولات ترمب المتتالية لإعادة رسم العلاقة بين الحكومة الفدرالية والمدن الكبرى، مؤكداً أن ترمب يحاول اختبار مدى استعداد اليسار للتفاوض خارج إطار الشعارات العقائدية. ويشير برينر إلى أن ترمب يدرك تماماً أن الصدام المفتوح مع المدن الكبرى مكلف سياسياً، ولذلك فإن الحوار ولو بشكل رمزي قد يمنحه مساحة أكبر للمناورة التشريعية.
ويضيف برينر أن قبول ممداني باللقاء يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الصدام العقائدي وحده ليس كافياً لإدارة مدينة بحجم نيويورك. فخطاب اليسار الراديكالي، رغم قوته بين الشباب، يظل بحاجة إلى قنوات عملية للتواصل مع الحكومة الفدرالية، ومن هنا، يرى الخبير أن اللقاء قد يشكل لحظة نادرة يمكن أن تحدد مستقبل العلاقة بين اليسار التقدمي والبيت الأبيض خلال السنوات المقبلة.
ويحذّر برينر من أن ترمب قد يستخدم اللقاء للتقليل من حدة الانتقادات التي تواجهه حول سياسات الهجرة والشرطة، خصوصاً أنه يدرك أن اليسار الأميركي يركز بشكل كبير على هذه الملفاتء ولذلك، فإن مجرد جلوس ممداني معه قد يُفسَّر لدى بعض الجمهوريين بأن سياسات الرئيس ليست متطرفة كما يصوّرها الإعلام.
ويخلص الخبير إلى أن اللقاء سيكون في نهاية المطاف اختباراً لحدود اليسار نفسه، وليس لترمب فقط، لأنه سيكشف ما إذا كان التقدميون قادرين على التحرك داخل مساحة تفاوضية دون خسارة هويتهم الأيديولوجية. ويؤكد أن نتيجة هذا الاختبار ستنعكس بقوة على المشهد السياسي الأميركي في السنوات القادمة.
ترمب يريد إعادة هندسة العلاقة مع المدن الكبرى
ترى المحللة أندريا كارسون، محللة سياسات حضرية، أن اللقاء يعكس إدراك ترمب لأهمية المدن الكبرى في الاقتصاد الأميركي، موضحة أن أي توتر سياسي مع المدن ينعكس فوراً على سوق العمل، الاستثمار، والموازنة الفدرالية، ومن هنا، تعتقد أن ترمب يحاول من خلال اللقاء إعادة هندسة العلاقة مع نيويورك تحديداً، باعتبارها مركز الثقل في النمو الحضري والاقتصادي.
وتوضح كارسون أن ممداني يمثل نموذجاً جديداً للقادة المحليين الذين يجمعون بين الخطاب التقدمي والسياسات العملية، ولذلك فإن التعامل معه يمنح ترمب فرصة لفهم الصورة الجديدة للمدن الأميركية، فهذه المدن لم تعد مجرد تجمعات حضرية، بل أصبحت منصات سياسية تعيد تشكيل وعي الناخب الأميركي، وهو ما لا يمكن لأي إدارة فدرالية تجاهله.
كما تشير كارسون إلى أن اللقاء يحمل أيضاً بُعداً اقتصادياً مهماً يتعلق بمفاوضات البنية التحتية وتمويل المواصلات العامة والإسكان منخفض التكلفة، فهذه الملفات تشكل نقاط اشتباك دائمة بين نيويورك والبيت الأبيض، وقد يكون اللقاء خطوة أولى نحو فتح مسار تفاوض جديد يسمح بإعادة توزيع الموارد بطريقة أكثر مرونة.
وتختتم كارسون بالقول إن ترمب يحاول في هذا اللقاء اختبار رد فعل كل من الجمهور اليميني والجمهور الحضري، لمعرفة ما إذا كانت «صفقة مدن–جمهوريين» ممكنة مستقبلاً. وإذا أثبت اللقاء نجاحاً ولو رمزياً، فقد يفتح الباب أمام سلسلة تفاهمات واسعة تغير شكل السياسات الحضرية في الولايات المتحدة.






