في خضم إيقاع الحياة الضاغط الذي نعيشه، غالباً ما نُرجع شعورنا بالإرهاق الدائم أو تقلب المزاج إلى ضغوط العمل، متجاهلين “وقوداً” حيوياً يعمل في خفاء أجسادنا. يُعد فيتامين B12 حجر الزاوية في بناء خلايا الدم الحمراء وصيانة “الأسلاك الكهربائية” لجهازنا العصبي. ومع ذلك، تشير التقارير العلمية الحديثة إلى مفارقة طبية لافتة؛ فالرجال، رغم بنيتهم الجسدية القوية، قد يكونون الضحية الأكبر لهذا النقص الصامت مقارنة بالنساء. فهل هي مجرد مسألة نظام غذائي، أم أن هناك شيفرة جينية تجعل الرجل أكثر عرضة لهذا الخلل الاستقلابي؟
لغة الأرقام: لماذا الرجال في الصدارة؟
رغم تشابه العمليات الحيوية الأساسية، إلا أن دراسة واسعة شملت نحو 8,000 شخص بالغ كشفت عن أرقام تستدعي الانتباه؛ حيث يعاني 25.5% من الرجال من نقص فيتامين B12، مقابل 18.9% فقط لدى النساء. المثير للدهشة أن هذا التفارق ظل قائماً حتى بعد استبعاد عوامل السن والوزن، مما دفع الخبراء للاعتقاد بوجود “عوامل وراثية” تجعل امتصاص هذا الفيتامين لدى الرجال أكثر تعقيداً. وفي المقابل، تظل النساء في مراحل الحمل والرضاعة الفئة الأكثر احتياجاً لجرعات مضاعفة (تصل إلى 2.8 ميكروغرام) لضمان سلامة الجيل القادم.

أسباب النقص: صراع الامتصاص مقابل الغذاء
ينقسم نقص B12 إلى مسارين لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر:
معضلة الامتصاص: وهي الأكثر شيوعاً، حيث يعجز الجسم عن استخلاص الفيتامين نتيجة التهابات المعدة أو الاستخدام الطويل لأدوية الحموضة. كما يبرز دواء “الميتفورمين” (الشائع لمرضى السكري) كأحد العوامل التي تعيق الامتصاص بمرور الوقت.
الفخ النباتي: بما أن المصادر الطبيعية للفيتامين حيوانية بامتياز (كالكبدة واللحوم الحمراء والأسماك)، فإن المتبعين للحميات النباتية الصارمة يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع النقص ما لم يعتمدوا على المكملات أو الأغذية المدعمة.
علامات التحذير: كيف يصرخ جسدك طلباً لـ B12؟
لا يظهر النقص فجأة، بل يتسلل عبر أعراض متدرجة تشمل:
تنميل ووخز: شعور يشبه “الإبر” في الأطراف نتيجة تأثر الغمد العصبي.
ضبابية الذاكرة: صعوبة في التركيز وتشتت ذهني يشبه أعراض الإرهاق المزمن.
شحوب وتقرحات: احمرار اللسان أو ظهور تقرحات متكررة في الفم.
الانهيار النفسي: نوبات من الاكتئاب والتهيج غير المبرر.
روشتة الوقاية في 2026: كيف تحمي جهازك العصبي؟
الحفاظ على مستويات مثالية يتطلب استراتيجية مزدوجة؛ فمن جهة، يجب تعزيز المائدة بـ البروتين الحيواني عالي الجودة والأسماك الدهنية. ومن جهة أخرى، يجب على النباتيين أو من يعانون من مشاكل هضمية اللجوء إلى الأطعمة المدعمة (مثل حبوب الإفطار المدعمة أو بدائل الحليب) والقيام بفحوصات دورية كل 6 أشهر. إن الوعي المبكر بهذا النقص ليس مجرد إجراء وقائي، بل هو استثمار في صحة الدماغ والقدرة على مواصلة الحياة بنشاط وحيوية.






