يشهد ملف مضيق هرمز تطورًا جديدًا قد يعيد رسم ملامح إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعدما عقدت إيران وسلطنة عُمان أول اجتماع للجنة المشتركة المعنية بالمضيق في العاصمة العُمانية مسقط، في خطوة تعكس انتقال النقاش من مرحلة التصعيد العسكري إلى البحث عن آليات تنظيم الملاحة وترتيبات ما بعد الحرب.
ويأتي الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية، بعدما شهد المضيق خلال الأسابيع الماضية اضطرابات غير مسبوقة نتيجة الحرب الأميركية – الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى تعطيل حركة مئات السفن وناقلات النفط، قبل أن تبدأ الملاحة في التعافي تدريجيًا مع تراجع حدة التوترات.
أول اجتماع للجنة المشتركة
أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي انعقاد الاجتماع الأول للجنة المشتركة بين إيران وسلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز، موضحًا أن اللقاء استضافته العاصمة العُمانية مسقط، في إطار الاتفاقات التي جرى التوصل إليها مؤخرًا بشأن إدارة هذا الممر البحري الحيوي.
وأوضح المسؤول الإيراني أن الجانبين تبادلا وجهات النظر حول الحقوق السيادية للدولتين المشاطئتين للمضيق، إضافة إلى مناقشة مستقبل إدارته وآليات تنظيم حركة الملاحة خلال المرحلة المقبلة، وذلك استنادًا إلى الاتفاق المؤقت الذي وقعته طهران وواشنطن خلال الشهر الجاري.
طهران: إدارة المضيق مسؤولية إيرانية
وبالتزامن مع انعقاد الاجتماع، شددت إيران على تمسكها بدورها في إدارة مضيق هرمز، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده وحدها تتحمل مسؤولية إعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب.
كما دعا عراقجي إلى عدم تدخل أي أطراف خارجية في إدارة المضيق، معتبرًا أن إيران تمتلك الحق في الإشراف على هذا الممر البحري الحيوي وفقًا لمصالحها وسيادتها.
وتعكس هذه التصريحات استمرار تمسك طهران بموقفها الرافض لأي ترتيبات دولية قد تنتقص من دورها في إدارة المضيق، رغم التحركات الدبلوماسية الجارية مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية.
خلاف حول مسارات الملاحة
ورغم الحديث عن تعاون إيراني – عُماني، فإن مستقبل الملاحة داخل مضيق هرمز لا يزال محل خلاف بين طهران وواشنطن، فالإدارة الأميركية تدعم إنشاء مسار ملاحي جنوبي بمحاذاة السواحل العُمانية، بما يقلل اعتماد السفن على المرور داخل المياه الإيرانية، بينما تصر طهران على أن يكون المسار الرئيسي شماليًا عبر مياهها الإقليمية، بما يمنحها دورًا أكبر في تنظيم حركة العبور.
وترى إيران أن هذا الترتيب يتيح لها مستقبلاً فرض رسوم على استخدام المضيق، في حين تعتبر واشنطن أن تنويع مسارات الملاحة يحد من المخاطر ويضمن انسيابية حركة التجارة الدولية.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وخلال فترة الحرب، تكدست مئات السفن وناقلات النفط داخل الخليج بعد تعطل حركة المرور، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بشأن أمن الطاقة العالمي وإمدادات الخام.
عودة تدريجية للملاحة
ومع تراجع العمليات العسكرية وبدء تنفيذ التفاهمات الأخيرة، بدأت السفن في استئناف عبورها عبر المضيق خلال الأسبوعين الماضيين، الأمر الذي ساهم في تخفيف الضغوط على حركة التجارة البحرية.
كما انعكس تحسن الملاحة على أسواق النفط العالمية، حيث تراجعت الأسعار تدريجيًا واقتربت من مستوياتها التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب، مدفوعة بزيادة المعروض وعودة جزء كبير من الصادرات النفطية إلى الأسواق.
ويرى مراقبون أن تشكيل اللجنة الإيرانية – العُمانية يمثل بداية مرحلة جديدة من التنسيق الإقليمي بشأن إدارة مضيق هرمز، إلا أن نجاح هذه المساعي سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز الخلافات المتعلقة بالسيادة، ومسارات الملاحة، وآليات تنظيم العبور.
وفي ظل استمرار التنافس بين إيران والولايات المتحدة حول مستقبل المضيق، تبقى نتائج اجتماعات اللجنة المشتركة محل اهتمام إقليمي ودولي، باعتبارها قد تحدد شكل إدارة واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية وتأثيرًا في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.






