في تصريحات حملت رسائل حازمة، أكد وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي أن بلاده تواجه مؤامرات وتحديات متشابكة تستهدف مصالحها الحيوية، مشدداً على أن الدولة بقوة مؤسساتها لن تسمح بأي مساس بأمنها القومي أو مواردها المائية أو حدودها.
جاءت تصريحات عبد العاطي خلال مشاركته في برنامج عبر التلفزيون الحكومي مساء الجمعة، في وقت تتصاعد فيه التحديات الإقليمية والدولية من ملف ترسيم الحدود البحرية وصولاً إلى أزمة سد النهضة.
الأمن القومي والمصالح المائية خط أحمر
“عبد العاطي” شدد على أن مصر، كما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً، لن تسمح لأي طرف بالعبث بمصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها الحقوق المائية المرتبطة بنهر النيل.
وأوضح أن الحديث عن مؤامرات ضد مصر ليس مجرد خطاب سياسي، بل واقع تفرضه تحركات إقليمية معقدة تتطلب موقفاً مصرياً صلباً.
الوزير المصري أشار إلى أن التحديات التي تواجهها البلاد “تنفجر في وقت واحد”، في إشارة إلى تداخل الملفات الإقليمية والدولية. فمن جهة هناك ضغوط مرتبطة بترسيم الحدود البحرية وما يرتبط بها من مخزونات هيدروكربونية هائلة في شرق المتوسط، ومن جهة أخرى أزمة سد النهضة الإثيوبي التي تمثل تهديداً وجودياً للمصريين.
الدولة القوية سلاح المواجهة
أكد عبد العاطي أن ما يطمئن المصريين هو قوة مؤسسات الدولة، من الجيش إلى الدبلوماسية، مروراً بالأجهزة الوطنية التي تتحرك وفق استراتيجية متكاملة. وأضاف: “مصر بقوة مؤسساتها قادرة على حماية أمنها القومي ومصالحها الحيوية، ولن تسمح لأي طرف بفرض أمر واقع يتعارض مع حقوقها”.
التصريحات تزامنت مع تدشين إثيوبيا رسمياً لسد النهضة الثلاثاء الماضي، في خطوة تعمق التوتر القائم منذ سنوات بين القاهرة وأديس أبابا. وتعتبر مصر السد تهديداً مباشراً لأمنها المائي، في وقت تواصل فيه التأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن حقوق جميع الأطراف.
ترسيم الحدود البحرية… صراع الموارد
إلى جانب ملف النيل، برزت تحديات ترسيم الحدود البحرية شرق المتوسط، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية على خلفية الثروات الغازية الضخمة. وهنا شدد عبد العاطي على أن مصر تضع مصالحها الوطنية نصب أعينها، وأن أي تسوية لا بد أن تراعي حقوقها كاملة.
الوزير المصري استشهد بتأكيدات الرئيس السيسي أن مصر لن تسمح بالمساس بمصالحها، لافتاً إلى أن الموقف السياسي والدبلوماسي المصري يتحرك على أكثر من جبهة، سواء عبر القنوات التفاوضية أو من خلال بناء التحالفات الإقليمية والدولية.
قوة الداخل أساس الردع
“عبد العاطي” لم يغفل أهمية الجبهة الداخلية، مؤكداً أن وعي الشعب المصري وتماسكه مع مؤسساته الوطنية يمثلان خط الدفاع الأول ضد أي مؤامرات أو ضغوط خارجية. وأوضح أن الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطنين هي ما يمنح السياسة الخارجية المصرية قوتها وصلابتها.
في ختام تصريحاته، شدد وزير الخارجية على أن مصر تنظر إلى المستقبل بعين مفتوحة، وتتعامل مع التحديات من موقع الدولة القوية القادرة على حماية أمنها القومي ومصالحها المائية والإستراتيجية، مؤكداً أن القاهرة لن تتراجع أمام أي ضغوط، ولن تسمح بتهديد حقوقها التاريخية في النيل أو ثرواتها البحرية.
رسائل عبد العاطي تعكس موقفاً مصرياً ثابتاً
يرى خبراء في الشأن السياسي أن تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي جاءت في توقيت حساس، حيث تشهد المنطقة تداخل أزمات متزامنة، وهو ما يجعل الرسالة المصرية واضحة: لا مساس بالخطوط الحمراء.
ويعتبر المحللون أن هذه اللغة الحازمة تهدف لردع أي طرف يفكر في استغلال الظروف الإقليمية للضغط على القاهرة.
بحسب خبراء الموارد المائية، فإن الإشارة المباشرة للمصالح المائية في تصريحات الوزير تعكس إدراكاً مصرياً لخطورة التحديات المرتبطة بسد النهضة.
ويؤكدون أن القاهرة باتت ترى في ملف النيل قضية وجودية، وأن التحركات المصرية على المستوى الإفريقي والدولي تسعى إلى منع فرض واقع جديد يهدد حقوقها التاريخية.
معادلة الغاز شرق المتوسط
يؤكد خبراء الاقتصاد والطاقة أن الحديث عن ترسيم الحدود البحرية يرتبط مباشرة بصراع السيطرة على ثروات الغاز في شرق المتوسط.
وهنا، بحسب المحللين، تسعى مصر للحفاظ على موقعها كمنصة إقليمية لتصدير الغاز، وضمان أن أي اتفاقيات مستقبلية تعزز مصالحها الاستراتيجية ولا تنتقص من حقوقها الاقتصادية.
المحللون السياسيون يعتبرون أن مصر تلعب على خطين متوازيين: الأول هو التمسك بالحقوق الوطنية وعدم التفريط فيها، والثاني هو الاعتماد على الدبلوماسية كأداة رئيسية للتفاوض وكسب الدعم الدولي، ويشير الخبراء إلى أن القاهرة نجحت في بناء شبكة تحالفات توازن بين القوى الكبرى والإقليمية بما يحمي مصالحها.
في قراءة للمشهد الداخلي، يؤكد خبراء الأمن القومي أن الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة هي الضامن الأكبر لصلابة الموقف الخارجي.
ويشيرون إلى أن مصر، رغم الضغوط الخارجية، استطاعت أن ترسل رسائل واضحة بأن قوتها لا تنبع فقط من جيشها أو دبلوماسيتها، بل من وحدة الموقف الوطني الذي يربط الدولة بالمجتمع.






