في خضم المشهد المأساوي الذي يعيشه قطاع غزة، ومع تسارع التطورات الميدانية إثر قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على المدينة وتهجير سكانها بالقوة، برزت مبادرة “الشعب والوطن أولًا” الفلسطينية بنداء واضح لحركة “حماس”، تطالبها فيه بتسليم إدارة الوضع الراهن للجنة من الدول العربية برئاسة مصر.
هذه الدعوة، التي جاءت في رسالة رسمية من شخصيات وطنية، تعكس حجم القلق المتزايد من استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، في ظل ما تعتبره المبادرة فشلًا سياسيًا في التعامل مع الأزمة، وإصرارًا من قيادة حماس على إدارة الملف الفلسطيني بطريقة أحادية رغم انكشاف الواقع الميداني الكارثي.
مخطط التصفية الكامل
الرسالة التي حملها البيان الصادر عن المبادرة لم تكتف بالتحذير من خطورة المرحلة، بل وضعت الأمر في سياق حماية المشروع الوطني الفلسطيني من مخطط التصفية الكامل الذي يسعى إليه الاحتلال. المبادرة أعادت التذكير بأن ما تدعو إليه اليوم يتسق مع بنود “وثيقة الإنقاذ الوطني” التي أطلقتها في 14 يوليو الماضي، والتي لم تتلقَّ أي رد من حماس حتى الآن، في مؤشر على غياب التجاوب مع أصوات الداخل التي تطالب بوقف نزيف الدم عبر حلول عملية.
غير أن انتقاد المبادرة ينسجم مع أوسع حالة غضب فلسطيني تجاه أسلوب إدارة حماس للملف، وخصوصًا ما يتعلق باستخدام قضية الرهائن كورقة ضغط على الاحتلال الإسرائيلي، وهي ورقة رغم حساسيتها الإنسانية لم تؤدِّ إلى وقف العدوان أو حتى التخفيف من حدته، بل يقابلها الاحتلال بمزيد من التصعيد العسكري وتدمير البنية التحتية وقتل المدنيين بلا هوادة. فبينما كان يمكن للحركة أن توظف هذا الملف في إطار تسوية عاجلة تضمن وقف إطلاق النار وفتح باب الإغاثة، اختارت التشدد في شروطها، وهو تشدد يرى منتقدوها أنه بات معزولًا عن حجم المأساة التي يعيشها الناس تحت القصف والحصار.
التشدد في المفاوضات
هذا التعنت، في ظل حجم الدمار وسقوط آلاف الضحايا وتردي الأوضاع المعيشية، يبدو منفصلًا عن نبض الشارع الغزي الذي يبحث عن أي بارقة أمل توقف آلة الحرب. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار حماس في تمسكها بإدارة الأزمة بهذه الطريقة إلى إطالة أمد الصراع، ما يمنح الاحتلال المزيد من الوقت لتحقيق أهدافه الاستراتيجية على حساب الأرض والإنسان.
في نهاية المطاف، ما طرحته “مبادرة الشعب والوطن أولًا” ليس مجرد اقتراح بروتوكولي لتغيير جهة إدارة الملف، بل هو محاولة أخيرة لانتزاع القرار الفلسطيني من دائرة الجمود، وفتح نافذة لتدخل عربي يمكن أن يوقف الانهيار الشامل. أما استمرار حماس في تجاهل هذه النداءات، مع المضي في استراتيجيتها القائمة على الرهائن والتشدد في المفاوضات، فلن يعني سوى المزيد من المعاناة، ومزيد من الفرص الضائعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من غزة الجريحة.






