يعيش المشهد اللبناني مرحلة بالغة التعقيد مع استمرار التوترات الأمنية جنوب البلاد، في وقت تجد فيه بيروت نفسها أمام معادلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بعد تصاعد النقاش حول المشاركة في اجتماعات أمنية مرتقبة تضم ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية.
وبين الضغوط الدولية ومحاذير الداخل، تبدو القيادة اللبنانية أمام اختبار صعب يتعلق بحدود الانخراط في مسارات التفاوض بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية وتوسع رقعة الاشتباكات.
اجتماعات أمنية مرتقبة تثير تردداً في بيروت
تشير المعطيات إلى أن لبنان لا يزال متردداً في اتخاذ قرار نهائي بشأن المشاركة في الاجتماعات الأمنية المقرر عقدها في التاسع والعشرين من مايو، والتي تستضيفها وزارة الدفاع الأميركية بحضور ممثلين عن الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
ويأتي هذا التردد على خلفية استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، الأمر الذي يثير تساؤلات داخل الأوساط السياسية اللبنانية بشأن جدوى الدخول في مسار تفاوضي بالتزامن مع استمرار التصعيد الميداني.
ويبدو أن جزءاً من التحفظ اللبناني يرتبط بمخاوف من أن تُفسَّر المشاركة على أنها قبول بالأمر الواقع أو تجاوز للتطورات الأمنية التي تشهدها المناطق الحدودية، خصوصاً مع تزايد الضغوط الداخلية الرافضة لأي خطوات لا ترتبط بضمانات واضحة بشأن وقف العمليات العسكرية.
خياران أمام لبنان
ووفقاً لمصادر سياسية، يقف لبنان حالياً أمام مسارين محتملين؛ الأول يتمثل في تعليق أو تأجيل المشاركة في الاجتماعات الأمنية، أما الثاني فيقوم على الحضور مع وضع شروط واضحة تتعلق بجدول الأعمال المطروح.
ويبرز في مقدمة هذه الشروط مطلب إدراج بند وقف إطلاق النار كأولوية أساسية قبل مناقشة أي ملفات تقنية أو أمنية أخرى، إذ ترى بيروت أن تجاهل هذا الملف قد يضع السلطات اللبنانية في موقف سياسي شديد الحرج، خصوصاً بعدما ارتبطت الموافقة المبدئية على استئناف المحادثات بضرورة وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتضع التطورات الميدانية المتسارعة القيادة اللبنانية أمام تحديات متزايدة، إذ يجد الرئيس جوزيف عون والحكومة برئاسة نواف سلام نفسيهما أمام معادلة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والشعبية.
وتخشى دوائر سياسية أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية دون تحقيق أي تهدئة إلى إضعاف قدرة الحكومة على تبرير المشاركة في أي اجتماعات تفاوضية، خاصة إذا استمرت الضربات والتوغلات الميدانية في مناطق جنوب البلاد.
تحفظ رسمي على استئناف المفاوضات
وكشفت مصادر وزارية أن لبنان لا يُظهر حماسة كبيرة لاستئناف الاجتماعات أو الانخراط في جولات جديدة من المفاوضات تحت وقع التصعيد العسكري المتبادل. وتعتبر بعض القوى السياسية أن التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية قد يُفسر على أنه استجابة لضغوط القوة وليس نتيجة تفاهمات متوازنة.
كما يرى مراقبون أن استمرار التوتر قد يدفع إلى مزيد من التعقيد، خاصة في ظل وجود حسابات داخلية مرتبطة بالموقف الشعبي وبحساسية ملف العلاقات غير المباشرة مع إسرائيل.
وميدانياً، شهد الجنوب اللبناني تطوراً جديداً اعتُبر مؤشراً على تصعيد إضافي، بعدما فتحت القوات الإسرائيلية محور توغل ثالثاً باتجاه بلدة حداثا الواقعة قرب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، في خطوة تعكس اتساع التحركات العسكرية على الأرض.
ويرى متابعون أن فتح محاور جديدة يثير مخاوف من انتقال المواجهات إلى مستويات أكثر اتساعاً، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية وتزايد مؤشرات التصعيد بين الجانبين.
حزب الله يعلن التصدي للتقدم الإسرائيلي
وفي المقابل، أعلن حزب الله أن مقاتليه تصدوا لمحاولة التقدم الإسرائيلي وأجبروا القوات على التراجع بعد مواجهات ميدانية شهدتها المنطقة.
وأوضح الحزب أن القوات الإسرائيلية اضطرت إلى العودة نحو بلدة رشاف عقب فشل محاولتها التقدم، في تطور يعكس استمرار المواجهات المباشرة على خطوط التماس.
وتشير هذه التطورات إلى أن الجبهة الجنوبية لا تزال مرشحة لمزيد من التصعيد، خاصة مع غياب مؤشرات واضحة على نجاح الجهود السياسية في تثبيت تهدئة مستدامة.
وفي ظل المشهد الحالي، تبدو الساحة اللبنانية واقفة على مفترق طرق حساس؛ فمن جهة تتزايد الدعوات إلى تحريك المسارات الدبلوماسية لمنع انفجار الأوضاع، ومن جهة أخرى تستمر التحركات العسكرية التي تعقد المشهد وتزيد من الضغوط على صناع القرار.
ومع اقتراب موعد الاجتماعات الأمنية، تبقى الأنظار متجهة إلى القرار اللبناني النهائي، وما إذا كانت بيروت ستختار المضي في مسار التفاوض بشروطها، أم ستؤجل المشاركة بانتظار تغير المعطيات الميدانية.
وبين هذا وذاك، يظل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على سيناريوهات متعددة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة بأسرها.




