في خطاب مصوّر وجّهه إلى الشعب الأوكراني الجمعة، عبّر الرئيس فولوديمير زيلينسكي عن مخاوف جدّية إزاء المسودة الأميركية لخطة سلام تهدف إلى إنهاء الحرب مع روسيا، محذّرًا من أن بلاده قد تواجه خيارًا عسيرًا: بين فقدان كرامتها أو التضحية بدعم شريك أساسي، وهو ما يشير بوضوح إلى الضغط المتزايد من واشنطن.
وقال زيلينسكي إنه لن يخون مصالح أوكرانيا، وإنه سيعرض “بدائل” للـ خطة الأميركية التي وصفها بأنها قد تتناقض مع السيادة الأوكرانية. ودعا مواطنيه إلى الوحدة في هذا “الوقت الحرج جدًا”، مشيرًا إلى أنه يتوقع تصاعد الضغوط السياسية خلال الأيام المقبلة.
في سياق متصل، أجريت محادثة هاتفية بين زيلينسكي ونائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، بُحثت خلالها خطة السلام، حسب ما أفاد مصدر من الرئاسة الأوكرانية.
ما ورد في الخطة الأميركية
تكشف المسودة الأميركية، المؤلفة من 28 نقطة، عن إطار تفاوضي واسع يسعى إلى إنهاء الحرب عبر مقاربة تقوم على تقديم مكاسب استراتيجية لروسيا مقابل ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا. غير أن بنودًا مركزية في الخطة توحي بميزان مختلّ يميل لمصلحة موسكو، إذ تتضمن — صراحة أو ضمناً — التنازل عن أجزاء من الشرق الأوكراني مثل دونيتسك ولوغانسك، إضافة إلى تثبيت وقائع ميدانية فرضتها روسيا منذ 2014 وما بعده.
هذا الطرح يترافق مع إعادة هندسة البنية الدفاعية الأوكرانية عبر تقليص حجم الجيش إلى 600 ألف جندي، وهو سقف لا يعكس الاحتياجات الفعلية لدولة تعيش على حدود خصم نووي واسع النطاق. كما أن “الضمانات الأمنية” التي تمنحها واشنطن وحلفاؤها تبدو ضبابية وغير مُلزِمة بالحدّ الكافي، على الرغم من تضمين بعض البنود التي تشبّهها بمظلّة الناتو. ورغم أنها تتضمن ردًا عسكريًا محتملًا على أي هجوم روسي مستقبلي، إلا أن الصياغة لا تؤسس لتعهد دفاعي صلب يشبه المادة الخامسة للحلف.
إحدى النقاط الأكثر إثارة للجدل تتمثل في إعادة استثمار الأصول الروسية المجمّدة داخل مشاريع تُشرف عليها الولايات المتحدة في أوكرانيا، مع منح واشنطن نسبة من الفوائد، وهي خطوة تجمع بين البعد المالي وإعادة رسم النفوذ الاقتصادي الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب. كما تفتح الخطة الباب لعودة روسيا إلى مجموعة الثماني (G8)، في خطوة تعكس رغبة أميركية في إعادة موسكو إلى النظام الاقتصادي الغربي مقابل التزامات سياسية وأمنية.
تحليل المشهد وتقدير اتجاهاته
يجد زيلينسكي نفسه اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية تجمع بين حاجته الحيوية إلى الدعم الغربي، خصوصًا الأميركي، وبين المخاطر السيادية التي قد تترتب على أي تنازل إقليمي أو أمني. فقبول البنود المثيرة للجدل في الخطة الأميركية سيُنظر إليه — داخليًا وخارجيًا — كخطوة تمسّ كرامة الدولة، بينما قد يؤدي رفضها إلى خسارة “الشريك الرئيس” الذي تعتمد عليه أوكرانيا في صمودها العسكري. لذلك جاء تحذيره من الاختيار الصعب بين “الكرامة” و“الشريك” تعبيرًا مباشرًا عن هذا التوتر.
في المقابل، فإن إعلان زيلينسكي استعداده لتقديم بدائل يعكس نهجًا تفاوضيًا مدروسًا لا يقوم على الرفض المطلق، وإنما على محاولة إعادة صياغة شروط النقاش بطريقة تمنحه مساحة أكبر للمناورة. فهو يظهر لشعبه أنه لا يخضع للإملاءات، ولواشنطن أنه لا يغلق باب الحلول، بل يسعى إلى صيغة أكثر توازنًا. هذه المقاربة قد تسمح له بتخفيف الضغوط، وإثبات أنه يقود معركة دبلوماسية موازية للمعركة العسكرية.
لكن هذا الهامش ليس مفتوحًا بلا حدود. فوفق تسريبات عدة، قد يترافق أي رفض قاطع للخطة مع تهديدات أميركية بوقف الدعم الاستخباراتي أو العسكري، وهو ما يجعل مساحة الحركة الأوكرانية ضيقة للغاية. لذلك فإن أي خطوة تصعيدية من جانب كييف، من دون بدائل قابلة للنقاش ومُرضية لواشنطن، قد تحمل مخاطر مباشرة على قدرة البلاد على مواصلة الحرب في المدى القريب.
ومع تزايد الضغوط الأميركية، تبرز أوروبا كعامل حاسم في الحسابات الأوكرانية. فالحصول على دعم قوي من الاتحاد الأوروبي — سياسيًا وأمنيًا — يمكن أن يشكل سندًا تفاوضيًا يسمح لكييف بمقاومة البنود الأكثر إضرارًا بسيادتها، أو على الأقل تشكيل جبهة دبلوماسية مشتركة تدفع نحو تسوية أكثر إنصافًا. أمّا من دون هذا الدعم، فسيجد زيلينسكي نفسه وحيدًا في مواجهة ضغوط واشنطن.
وتبقى مسألة التوصل إلى “سلام مشرف” هدفًا يكرّره زيلينسكي، لكنه هدف محفوف بالمخاطر. فحتى في حال قبول تعديلات أوكرانيا، تبقى بعض البنود المتصلة بالضمانات الأمنية، واستثمار الأصول الروسية المجمدة، والرقابة على التنفيذ، نقاطًا مثقلة بالهواجس. فغياب ضمانات دولية صلبة قد يفتح الباب أمام روسيا للالتفاف على الاتفاق مستقبلًا، تمامًا كما حدث في اتفاقات سابقة. ولذا فإن أي “سلام” لا يضمن أمن أوكرانيا بصورة فعلية قد يتحول إلى هدنة مؤقتة تحمل بذور نزاع جديد.
بين البراغماتية والتمسّك بالثوابت
في المجمل، يظهر موقف زيلينسكي قدرًا عاليًا من الحذر، لكنه لا يعكس بأي حال موقف استسلام أو خضوع كامل. فالرئيس الأوكراني يحاول أن يوازن بدقة بين الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، وبين حماية سيادة بلاده وكرامتها الوطنية.
الخطة الأميركية قد تفتح بالفعل نافذة دبلوماسية مهمة لتهدئة النزاع أو إنهائه، لكنها في صيغتها الحالية تحمل تكاليف سياسية وأمنية باهظة بالنسبة لكييف. لهذا يبدو أن رهان زيلينسكي يتمثل في محاولة إعادة التفاوض على البنود المثيرة للجدل، أو تعديلها بما يسمح بالاستفادة من الزخم السياسي الأميركي دون تقديم تنازلات تمس المبادئ الأساسية التي قامت عليها المقاومة الأوكرانية منذ 2022.






