في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية للعام الرابع على التوالي، تبرز مؤشرات متزايدة على اتساع فجوة الخلافات داخل المعسكر المتحالف مع الجيش السوداني، وتحديداً بين قيادة الجيش والقوات المشتركة التي تمثل أحد أهم أركان التحالف العسكري المناهض لقوات الدعم السريع.
وبينما تتصاعد المعارك في إقليم كردفان وتزداد أهمية مدينة الأبيض باعتبارها عقدة استراتيجية في مسار الحرب في السودان، بدأت التباينات العسكرية والسياسية بين الطرفين تفرض نفسها على المشهد، ما يثير مخاوف من تداعيات قد تتجاوز الخلافات التكتيكية إلى تهديد تماسك التحالف بأكمله.
القوات المشتركة.. شريك أساسي في معادلة الحرب
تمثل القوات المشتركة تحالفاً يضم عدداً من الحركات المسلحة الدارفورية الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، وعلى رأسها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، إضافة إلى فصائل أخرى تنحدر غالبية عناصرها من إقليم دارفور.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لعبت هذه القوات دوراً محورياً في دعم الجيش، خصوصاً في المعارك التي شهدتها العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، ما منحها وزناً سياسياً وعسكرياً متزايداً داخل التحالف القائم.
وبدأت مؤشرات التوتر بالظهور بشكل واضح عقب طرح قيادة الجيش ترتيبات عسكرية جديدة تقضي بإعادة نشر أجزاء من القوات المشتركة من محيط الخرطوم نحو مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، بهدف تخفيف الضغط العسكري الذي تمارسه قوات الدعم السريع على المدينة.
لكن هذا المقترح قوبل بتحفظات من قيادات داخل القوات المشتركة، التي ترى أن الانتقال إلى جبهة كردفان في المرحلة الحالية قد يضع قواتها أمام ظروف ميدانية أكثر تعقيداً، تمنح قوات الدعم السريع أفضلية نسبية بحكم خبرتها في القتال بالمناطق المفتوحة وطبيعة الأرض الجغرافية هناك.
وتخشى هذه القيادات من أن يتحول الانتشار الجديد إلى معركة استنزاف طويلة تستنزف قدراتها البشرية والعسكرية، بما ينعكس سلباً على دورها في الحرب الحالية وعلى مكانتها في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع.
تضارب الأولويات بين الجيش والقوات المشتركة
وتكشف التطورات الأخيرة عن وجود اختلاف واضح في الرؤية الاستراتيجية بين الطرفين، فالجيش السوداني يسعى إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية وفتح جبهات جديدة في كردفان من أجل الضغط على قوات الدعم السريع وإرباك تحركاتها، بينما تميل القوات المشتركة إلى الحفاظ على مواقع انتشارها الحالية التي تعتبرها أقل خطورة وأكثر ملاءمة لقدراتها القتالية.
كما تنظر بعض قيادات القوات المشتركة بقلق إلى ما تعتبره تراجعاً في اهتمام الجيش بجبهات دارفور بعد استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من الخرطوم وولاية الجزيرة، وهو ما يثير مخاوف من أن تجد نفسها مستقبلاً في مواجهة منفردة مع قوات الدعم السريع في الأقاليم الغربية.
حوادث أمنية تعكس هشاشة العلاقة
لم تعد الخلافات مقتصرة على الجوانب العسكرية والتخطيطية فقط، بل ظهرت على الأرض عبر سلسلة من الحوادث الأمنية التي عكست حجم التوتر الكامن داخل التحالف.
فقد شهدت مدينة كوستي حادثة مقتل مساعد شرطة وإصابة رقيب إثر هجوم استهدف إطلاق سراح عنصر تابع للقوات المشتركة، كما وقعت اشتباكات في بورتسودان بين عناصر من إحدى الحركات المسلحة المنضوية تحت القوات المشتركة وقوات أمنية، إضافة إلى حوادث أخرى شهدتها الولاية الشمالية ومنطقة الروات بولاية النيل الأبيض.
ويرى مراقبون أن هذه الحوادث، رغم محدوديتها، تكشف عن تحديات متزايدة في إدارة العلاقة بين التشكيلات العسكرية المختلفة، وتسلط الضوء على الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية للتنسيق ومنع الاحتكاكات.
معركة الأبيض.. نقطة تحول في مسار الحرب
وتكتسب مدينة الأبيض أهمية استثنائية في الحسابات العسكرية للطرفين، فهي تمثل مركزاً حيوياً يربط بين وسط السودان وغربه، كما تعد عقدة لوجستية مهمة لخطوط الإمداد والتحرك العسكري داخل إقليم كردفان.
وبينما ترى القوات المشتركة أن الانخراط المكثف في معارك المنطقة قد يقود إلى استنزاف طويل الأمد، تعتبر قيادة الجيش أن تأمين الأبيض أو فك الحصار عنها يمثل خطوة حاسمة قد تغير موازين القوى على مختلف الجبهات.
لذلك باتت معركة الأبيض تمثل اختباراً حقيقياً لمتانة التحالف بين الطرفين، إذ إن نتائجها قد تحدد شكل العلاقة المستقبلية بين الجيش والقوات المشتركة، سواء باتجاه تعزيز التعاون أو تعميق الخلافات.
هواجس ما بعد الحرب تتقدم على حسابات الميدان
زيرى محللون أن جوهر الخلافات الحالية لا يرتبط فقط بتوزيع القوات أو إدارة العمليات العسكرية، بل يتصل بصورة متزايدة بمستقبل النفوذ السياسي والاقتصادي في السودان بعد انتهاء الحرب، فالقوات المشتركة، التي عززت حضورها العسكري خلال السنوات الماضية، تسعى للحفاظ على مكاسبها السياسية وضمان دور مؤثر في ترتيبات ما بعد الحرب، بينما يحرص الجيش على الحفاظ على مركزية القرار العسكري والسياسي داخل مؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان.
وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد أصوات داخل بعض الدوائر المؤيدة للجيش تطالب بإعادة النظر في اتفاق جوبا للسلام، وهو الاتفاق الذي يشكل الإطار القانوني والسياسي لمشاركة عدد من الحركات المسلحة في السلطة والتحالف العسكري الحالي.
ويصف كثير من المراقبين العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة بأنها “تحالف ضرورة” فرضته ظروف الحرب ومواجهة العدو المشترك، أكثر من كونها شراكة استراتيجية قائمة على رؤية موحدة للمستقبل، فالتباينات بشأن أولويات العمليات العسكرية، ومستقبل الترتيبات الأمنية، وتقاسم النفوذ السياسي، كلها عوامل تجعل هذا التحالف عرضة للاهتزاز كلما اقتربت الحرب من مراحلها الحاسمة.
كما أن تعدد القوى المسلحة داخل المعسكر الداعم للجيش، بما يضم من حركات مسلحة وكتائب وتشكيلات قبلية وجهوية مختلفة، يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الحفاظ على وحدة الصف مهمة شديدة الصعوبة.
سيناريوهات مفتوحة ومستقبل غامض
وفي ظل استمرار المعارك واتساع رقعتها، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة. فإما أن تنجح القيادات العسكرية والسياسية في احتواء الخلافات وصياغة رؤية مشتركة تضمن استمرار التحالف، أو تتفاقم التوترات لتتحول إلى صراع جديد داخل المعسكر الواحد.
ويرى خبراء أن مآلات معركة الأبيض ستكون عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة، إذ إن أي انتكاسة كبيرة قد تزيد من تبادل الاتهامات وتعمق فجوة الثقة بين الطرفين.
وفي جميع الأحوال، فإن السودان يقف أمام مرحلة دقيقة قد لا تحدد فقط مصير الحرب الحالية، بل ترسم أيضاً ملامح النظام السياسي والعسكري الذي سيحكم البلاد في مرحلة ما بعد النزاع، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول خلافات الحلفاء إلى صراع جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات التي أنهكت الدولة والمجتمع خلال السنوات الأخيرة.




