في إطار الصراع السياسي الدائر داخل الحكومة الإسرائيلية، أتى إعلان نفتالي بينيت حول تقديم مذكرة لقانون أساسي يحدد مدة ولاية رئيس الوزراء بفترتين فقط (ثماني سنوات) ليكون بمثابة خطوة بارزة تثير تساؤلات عديدة حول الاستقرار السياسي ومستقبل الحكومة الإسرائيلية. يأتي هذا الإعلان في وقت حساس، خاصة مع التحولات التي شهدتها إسرائيل في السنوات الأخيرة من ناحية الانقسام السياسي الداخلي، مما يعكس في جوهره الإحباط المتزايد من غياب الاستقرار السياسي على مدار فترات طويلة.
بينيت، الذي يبدو أنه يحظى بدعم متزايد وفقًا للاستطلاعات الأخيرة، وضع هذا التعديل ضمن خطة استقرار يهدف من خلالها إلى معالجة ما وصفه بـ “التدهور السياسي” الذي يعاني منه النظام السياسي الإسرائيلي في الوقت الحالي. من خلال فرض تحديد على فترة ولاية رئيس الحكومة، يسعى بينيت إلى تقليص القوة التنفيذية المتراكمة لدى رئيس الحكومة بعد مرور فترات طويلة، وهو ما يمكن أن يسهم في الحد من هيمنة الأفراد على المشهد السياسي.
انقسام وتوتر داخلي في إسرائيل
إقرار هذا القانون يمثل خطوة تمهيدية لتقديم حلول من داخل الحكومة لمشاكل البلاد السياسية. ويعتبر بينيت أن تحديد فترة الولاية بثماني سنوات ليس فقط ضروريًا لإعادة الحيوية السياسية إلى الحكومة، بل هو أيضًا عنصر أساسي في ضمان قيادة فعالة تتماشى مع مصلحة الدولة. في الوقت نفسه، فإن هذه الخطوة تحمل في طياتها مخاطر، حيث يمكن أن يكون لها تأثيرات سلبية على بعض التيارات السياسية، وخاصة تلك التي قد ترى في القانون محاولة للحد من قوة شخصيات معينة داخل الائتلافات الحكومية أو الحكومة نفسها.
إضافة إلى ذلك، قرر بينيت طرح قرار تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر. هذه الخطوة تبدو وكأنها محاولة لإظهار التزام الحكومة بالتحقيق في الحوادث الهامة التي أدت إلى انقسام وتوتر داخلي كبير في إسرائيل. غير أن تشكيل لجنة تحقيق رسمية قد يكون في نفس الوقت خطوة استراتيجية لتوجيه اللوم إلى أطراف معينة في الحكومة أو الأجهزة الأمنية، خاصة إذا كانت هذه الحوادث قد أسهمت في إضعاف السلطة التنفيذية في إسرائيل أو في تشويه صورة قيادات حكومية. وبينيت هنا يسعى إلى إظهار نفسه كقائد يسعى إلى ضمان الشفافية والمحاسبة، في محاولة لتحسين صورته السياسية في أعين الجمهور الإسرائيلي.
تفريغ السلطة
النقطة الأهم هي أن بينيت يربط بين إقرار هذين القرارين – تحديد فترة الولاية وتشكيل لجنة التحقيق – باعتبارهما شروطًا أساسية للموافقة على الانضمام إلى أي حكومة مقبلة. في هذا الإطار، يظهر جليًا أن بينيت يسعى لاستخدام هذه القرارات كأدوات ضغط لتشكيل تحالفات سياسية في المستقبل، بما في ذلك ضمان استقرار حكومته من خلال فرض شروط صارمة على أطراف الائتلاف. وبذلك، يتضح أن بينيت يهدف إلى تكريس سياسة التوافق التي يمكن أن تساعد في منع انهيار الحكومة في المستقبل، وهو أمر يعود إلى الدروس التي تم استخلاصها من السنوات الأخيرة في الحكومة الإسرائيلية، حيث شهدت البلاد صراعًا مستمرًا بين اليمين واليسار وغيابًا شبه كامل للتعاون داخل الائتلافات السياسية.
وفي الوقت الذي يبدي فيه بعض السياسيين إعجابهم بهذه الأفكار ويشيدون بها باعتبارها إصلاحًا ضروريًا، فإن هناك آخرين يرون في هذه التحركات محاولة لتفريغ السلطة من محتواها وفرض مزيد من القيود على الحكم. يعكس هذا الصراع السياسي القائم في الحكومة الإسرائيلية التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد في ظل الانقسامات العميقة بين الأحزاب السياسية والتوجهات المختلفة لأعضاء الحكومة، ما يجعل من الصعب التوصل إلى حلول سريعة ومستدامة.
جدل سياسي
سيكون مصير هذه القرارات موضعًا للاختبار عند تشكيل الحكومة القادمة، وإذا ما تم تمرير هذه القوانين بالفعل، فإنها قد تساهم في تغيير ميزان القوى داخل الحكومة الإسرائيلية. إلا أن تنفيذ هذه القرارات قد يثير مزيدًا من الجدل السياسي، مما قد يعمق التصدعات في النظام السياسي الإسرائيلي ويؤثر على قدرة الحكومة على إدارة القضايا الكبرى التي تواجهها البلاد.







