بين الحين والآخر، يكشف الأرشيف التاريخي أسرار عن وثائق حساسة، تتكشف جوانب معقدة من تاريخ الصراع في فلسطين، وتلقي الضوء على تداخلات سياسية وأيديولوجية لم تكن معروفة على نطاق واسع، حيث تشير المعطيات الجديدة حول محاولات بعض التنظيمات الصهيونية إلى إقامة قنوات اتصال مع ألمانيا النازية خلال فترة الحرب العالمية الثانية.
الوثائق كشفت عن أن حسابات المصالح في تلك المرحلة، دفعت شخصيات مثل أبراهام شتيرن إلى تبني مقاربات تتجاوز الاعتبارات التقليدية، عبر محاولة توظيف الصراع الدولي لتحقيق أهداف محلية، ورغم أن هذه المساعي لم تترجم إلى تحالف فعلي، فإنها تكشف عن مستوى التعقيد في التفكير السياسي لدى بعض الفاعلين، خاصة في ظل شعور متزايد بانسداد الأفق أمام تحقيق مشروع الدولة.
وثائق مؤسس عصابة شتيرن
صحيفة هآرتس، نشرت وثائق سرية كشفت عن أن أبراهام شتيرن، مؤسس ما يُعرف بـ“عصابة شتيرن”، حيث سعى إلى فتح قنوات اتصال مع المسؤولين الألمان، مستندًا إلى تقاطع مؤقت في المصالح، يتمثل في معارضة الوجود البريطاني في فلسطين.
وتشير المعطيات إلى أن أعضاء في التنظيم أجروا عدة محاولات للتواصل مع ممثلين ألمان، من بينهم نفتالي لوبينشيك، الذي أُرسل لعقد لقاءات مباشرة، في إطار مساعٍ لتشكيل نوع من التعاون السياسي أو العسكري.
وتُظهر إحدى الوثائق – وفقا لـ هآرتس – التي تعود إلى عام 1951، أن بعض أعضاء التنظيم كانوا يعتقدون أن السياسات النازية لا تستهدف “الإبادة الجسدية” لليهود، بل تهدف إلى ترحيلهم من أوروبا وتجميعهم في مكان واحد، وهو تصور يعكس قراءة خاطئة لطبيعة النظام النازي في ذلك الوقت.
اتصالات بين مجموعة من اليهود والنازية
كما تكشف الوثائق أن إلياهو غولومب، القائد الفعلي لمنظمة الهاجاناه، عبّر في عام 1941 عن شكوكه بوجود “اتصالات بين مجموعة من اليهود والعدو”، في إشارة إلى نشاطات مرتبطة بتنظيم شتيرن. وتم توثيق هذه التصريحات ضمن تقرير استخباراتي للهاجاناه بعنوان “اتصالات مع المحور”، في إشارة إلى دول دول المحور، التي ضمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وحلفاءهما.
وتُظهر الوثائق أن شتيرن، الذي انشق عن منظمة الإرجون، كان يرى أن العداء للبريطانيين يبرر السعي إلى تحالف مع أي قوة قادرة على إخراجهم من فلسطين، حتى لو كانت هذه القوة هي ألمانيا النازية. وفي هذا السياق، تكشف إحدى الوثائق عن مقترح قدمه التنظيم ينص على إقامة “شراكة فعالة” مع ألمانيا، تقوم على ما وصفه بـ“المصالح المشتركة”، بما في ذلك إمكانية قيام تحالف مستقبلي بين دولة يهودية مفترضة والرايخ الألماني.
كما ورد في وثيقة أخرى أن أحد أعضاء التنظيم، ناتان يلين مور، كتب عام 1943 أن ألمانيا “لم تُهزم بعد، وقد تصبح حليفًا”، في تعبير عن الرهان على نتائج الحرب آنذاك. ورغم هذه المحاولات، لم تُسفر الاتصالات عن نتائج عملية، حيث لم تُبدِ ألمانيا النازية اهتمامًا استراتيجيًا بفلسطين، وفق ما تشير إليه الوثائق، كما بقيت هذه المبادرات محدودة وغير مؤثرة في مسار الحرب.
بريطانيا لن تسمح بإقامة دولة يهودية!
في المقابل، تابعت منظمة الهاجاناه هذه التحركات عن كثب، واعتبرتها مصدر قلق وإحراج للحركة الصهيونية الأوسع، خاصة في ظل انخراط فصائل أخرى في القتال إلى جانب الحلفاء ضد النازية. وتوضح الوثائق أن شتيرن كان يحمل قناعة بأن بريطانيا “خانت الشعب اليهودي”، وأنها لن تسمح بإقامة دولة يهودية، ما دفعه إلى البحث عن دعم خارجي بأي وسيلة ممكنة.
كما أشارت إلى أنه كان يرى إمكانية تشكيل جيش من يهود أوروبا بدعم ألماني، يتجه إلى فلسطين ويقاتل القوات البريطانية، ضمن تصور استراتيجي قائم على الاستعانة بقوة خارجية لتحقيق أهدافه. وانتهت هذه المساعي فعليًا بعد مقتل شتيرن عام 1942 على يد السلطات البريطانية، عقب سلسلة من العمليات المسلحة التي نفذها تنظيمه، بما في ذلك هجمات على أهداف بريطانية ومنافسين يهود.




