الضربات الإسرائيلية المكثفة على مدينة غزة خلال الأيام الأخيرة تعكس تحوّلاً لافتاً في طبيعة الأهداف العسكرية، إذ تركزت على الأبراج السكنية ومراكز الإيواء التي تحولت منذ أشهر إلى ملاذ لعشرات آلاف النازحين. هذا التصعيد، الذي تزامن مع وصول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إسرائيل، بدا وكأنه رسالة مزدوجة: الأولى للفلسطينيين عبر تكثيف الضغط الإنساني عليهم، والثانية لإظهار التماسك بين تل أبيب وواشنطن، بعد أن وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة روبيو بأنها دليل على قوة التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
تفاقم الأزمة الإنسانية
الوقائع الميدانية تعكس أزمة إنسانية متفاقمة. فالقصف طال أكثر من ستة مراكز إيواء خلال أربعة أيام، بينها أربع مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى مبانٍ داخل الجامعة الإسلامية غرب غزة كانت تؤوي آلاف النازحين. النتيجة المباشرة تمثلت في إجبار عشرات الأسر على النزوح مجدداً إلى الجنوب، في مشهد يتكرر منذ بداية الحرب: عائلات تفرّ من دمارٍ إلى دمار، من دون ضمانات بوجود مأوى بديل أو حماية من هجمات جديدة.
وحتى العائلات التي لم تتمكن من النزوح وجدت نفسها أمام خيار قاسٍ: ترميم ما تبقى من مبانٍ مدمرة جزئياً، أو نصب خيام بدائية وسط الركام. هذا المشهد لا يمثل فقط معاناة إنسانية آنية، بل يعكس انهيار البنية التحتية للحياة المدنية في غزة، وتحول المدارس والجامعات إلى أهداف عسكرية، بما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم، ويضع مستقبل جيل كامل على المحك.
حصيلة الضحايا تكشف بدورها عن تصاعد الخسائر البشرية بوتيرة مقلقة، إذ استشهد أكثر من 50 فلسطينياً في يوم واحد، بينهم 33 في مدينة غزة وحدها. وإلى جانب القصف، يتفاقم أثر المجاعة وسوء التغذية؛ حيث سُجلت حالتا وفاة جديدتان خلال 24 ساعة، ليرتفع عدد الوفيات نتيجة الجوع إلى 422، بينهم 145 طفلاً. هذه الأرقام تضع الأزمة الإنسانية في مستوى غير مسبوق، وتؤكد أن الحرب تجاوزت إطارها العسكري لتصبح حرباً على مقومات البقاء ذاتها.
قوة عسكرية مفرطة
من الناحية السياسية، يأتي التصعيد الإسرائيلي في لحظة حساسة، إذ يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة. داخلياً، يحاول تعزيز صورته كزعيم لا يساوم في “أمن إسرائيل”، بينما خارجياً يسعى إلى تثبيت الدعم الأميركي في ظل خلافات متنامية مع بعض الأطراف الأوروبية والأمم المتحدة بشأن جرائم الحرب والكارثة الإنسانية. زيارة روبيو، في هذا السياق، تُقرأ كغطاء سياسي إضافي يسمح لإسرائيل بالاستمرار في استراتيجيتها القائمة على إنهاك الفلسطينيين، وتفريغ غزة من سكانها تدريجياً عبر موجات نزوح متكررة.
المشهد العام في غزة اليوم يشي بمزيج خطير من الانهيار الإنساني والمناورة السياسية. فبينما يعجز المجتمع الدولي عن فرض هدنة أو آلية حماية للمدنيين، تستمر إسرائيل في استخدام القوة العسكرية المفرطة، مستفيدة من الدعم الأميركي، فيما يدفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً يتجسد في الأرواح المفقودة، والأجيال التي تُحرم من التعليم، والعائلات التي تبحث عن مأوى في ركام مدنها.






