ارتبط اسم أرييل شارون، الجنرال ثم رئيس الوزراء الإسرائيلي (2001 – 2006)، بمجازر وحروب تركت بصماتها العميقة على الذاكرة الفلسطينية والعربية. منذ بداياته العسكرية في خمسينيات القرن الماضي، عُرف شارون بقيادته وحدات “الكوماندوز” المسؤولة عن عمليات انتقامية ضد القرى الفلسطينية، أبرزها مجزرة “قبية” عام 1953 التي راح ضحيتها نحو 70 مدنياً معظمهم من النساء والأطفال. لاحقاً، ومع صعوده في المؤسسة العسكرية والسياسية، لعب دوراً محورياً في الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا التي قُتل فيها أكثر من 3000 لاجئ فلسطيني ولبناني على أيدي ميليشيات لبنانية، وسط حماية الجيش الإسرائيلي وتحت إشراف مباشر من شارون بصفته وزير الدفاع آنذاك. هذه الأحداث رسّخت صورته كـ”جزار” في الوعي الفلسطيني والعربي، وشخصية مثيرة للجدل حتى داخل إسرائيل نفسها.
العقبة أمام حل الدولتين
عندما تولى شارون رئاسة الحكومة عام 2001، جاء إلى السلطة على وقع انتفاضة الأقصى، وهو الذي كان قد قاد اقتحام المسجد الأقصى عام 2000 في خطوة أشعلت الانتفاضة الثانية. بدلاً من الدخول في مسار سياسي جاد لتطبيق حل الدولتين الذي روّج له المجتمع الدولي منذ اتفاقيات أوسلو 1993، انتهج شارون سياسة تقوم على التوسع الاستيطاني، وتكريس واقع جديد على الأرض ينسف أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً. جدار الفصل العنصري الذي بدأ بناؤه في عهده كان التعبير الأبرز عن هذه السياسة، إذ حوّل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، وابتلع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وقضم أجزاءً كبيرة من محيط القدس. هذا الجدار، إلى جانب سياسة الاستيطان، جعل من حل الدولتين خياراً بعيد المنال، وأضعف قدرة السلطة الفلسطينية على إقناع شعبها بإمكانية تحقيق تسوية عادلة.
انسحاب غزة وصعود حماس
في عام 2005، نفّذ شارون خطة “فك الارتباط” أحادية الجانب من قطاع غزة، حيث سحب الجيش والمستوطنين من القطاع، لكنه أبقى السيطرة الكاملة على الحدود والبحر والجو. كثير من المراقبين رأوا في هذه الخطوة مناورة استراتيجية تهدف إلى تكريس الانقسام الفلسطيني. فبينما نظر إليها بعض الإسرائيليين والعواصم الغربية كخطوة “شجاعة”، فإن نتائجها العملية ساعدت حركة حماس على تعزيز خطابها بأن المقاومة أجبرت إسرائيل على الانسحاب، وهو ما منحها زخماً شعبياً. بعد ذلك بعامين فقط، سيطرت حماس على القطاع إثر صراع دموي مع حركة فتح، ليبدأ الانقسام الفلسطيني الذي ما زال يلقي بظلاله على المشهد السياسي حتى اليوم. بهذا المعنى، كان قرار شارون جزءاً من سلسلة سياسات أسهمت في تقويض السلطة الفلسطينية ونسف أي إمكانية لبناء وحدة وطنية فلسطينية متماسكة.
شارون ونهاية مأساوية
رغم نفوذه الكبير، لم يُكمل شارون مشروعه السياسي. ففي يناير 2006، تعرّض لجلطة دماغية قوية أدخلته في غيبوبة استمرت ثماني سنوات، حتى وفاته عام 2014. المفارقة أن الرجل الذي قاد حروباً، ورسم خرائط سياسية بدت لوهلة أنها حاسمة، انتهت حياته على سرير المرض، بعيداً عن دوائر القرار التي احتكرها لعقود. غيابه لم يُنهِ آثار سياساته؛ فالجدار ما زال قائماً، والاستيطان ما زال يتوسع، والانقسام الفلسطيني ما زال ينهش المشروع الوطني. لكن نهايته الطويلة والمأساوية بدت للبعض رمزاً لسياسات لم تكتمل، ولإرث دموي لم تستطع إسرائيل نفسها التخلص من تبعاته.
إرث شارون بين الداخل الإسرائيلي والقضية الفلسطينية
اليوم، بعد مرور سنوات على رحيله، يُجمع كثير من المحللين على أن أرييل شارون كان شخصية محورية في إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني–الإسرائيلي. على الصعيد الفلسطيني، كان بمثابة “العقبة الكبرى” أمام أي تسوية عادلة، إذ جعل من الأرض رهينة الاستيطان والجدار، وترك غزة محاصرة في عزلة قسرية. وعلى الصعيد الإسرائيلي، ساعدت سياساته على صعود اليمين القومي والديني الذي يسيطر على المشهد السياسي حتى الآن، في استمرارية مباشرة لنهجه القائم على فرض الأمر الواقع بدل التفاوض. أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد ساعدت قراراته على إضعاف الثقة بالمسار الدبلوماسي، ورسخت الانطباع بأن إسرائيل قادرة على فرض رؤيتها بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى تقسيم الفلسطينيين وإضعاف قدرتهم على التفاوض.




