يشهد العراق واحدة من أسوأ الأزمات المائية في تاريخه الحديث، مع تسجيل نهر الفرات أدنى منسوب له منذ عقود، بحسب خبراء ومسؤولين عراقيين.
وتباطأ تدفق المياه بشكل غير مسبوق في المحافظات الجنوبية، مما أدى إلى تفاقم مشكلة التلوث وتمدّد الطحالب والنباتات الغازية، مثل زهرة النيل، التي تهدد بانسداد المجاري المائية وتدمير النظام البيئي للنهر.
جفاف متسارع وتغير مناخي
الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل تأتي نتيجة تراكم سنوات من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار، وهو ما جعل ملايين العراقيين يواجهون خطر شح المياه.
كما أثرت هذه الظروف على الأهوار الشهيرة في جنوب البلاد، التي تحوّلت مساحات واسعة منها إلى أراضٍ جافة، تاركة خلفها قوارب صيد مهجورة ومجتمعات محلية مهددة بفقدان مصدر رزقها التقليدي.
ضغوط خارجية ومطالبات للحصص المائية
الحكومة العراقية تُحمل تركيا وإيران جزءاً كبيراً من المسؤولية، بسبب بناء السدود الضخمة على نهري دجلة والفرات، الأمر الذي أدى إلى تقليص حصة العراق المائية بنسبة تزيد على 65%.
ووفقاً لوزارة الموارد المائية، فإن الخزين المائي للعراق اليوم لا يتجاوز 8% من طاقة التخزين الكلية، وهو أدنى مستوى يُسجَّل منذ عقود، مما اضطر بغداد إلى إطلاق كميات مياه من السدود تفوق ما تستقبله.
مخاطر بيئية وصحية متفاقمة
الانخفاض الكبير في تدفق المياه سمح بانتشار الطحالب والنباتات الغازية، التي تمتص الأكسجين من الماء وتؤدي إلى نفوق الأسماك وتراجع الحياة المائية.
أما زهرة النيل، فقد أصبحت تهديداً حقيقياً، إذ تستهلك يومياً كميات كبيرة من المياه وتشكل غطاءً معتماً يمنع وصول الضوء والأكسجين إلى الكائنات المائية.
وفي محافظتي النجف وكربلاء، حذرت السلطات من تزايد التلوث البكتيري في المياه الخام، ما قد ينعكس على الصحة العامة للسكان.
إجراءات حكومية محدودة وسط تحديات كبرى
على الرغم من التطمينات الرسمية بأن المياه المخصصة للشرب ما زالت ضمن المواصفات القياسية بعد معالجتها، فإن الشكوك تساور السكان بشأن سلامتها في ظل التدهور البيئي المتسارع.
وتؤكد وزارة البيئة العراقية أنها تعتمد على معايير علمية دقيقة في محطات التنقية، إلا أن خبراء البيئة يحذرون من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى كوارث بيئية وصحية، ما لم تُعالج جذور الأزمة المتعلقة بالحصص المائية والسياسات الإقليمية.
مستقبل النهر مهدد.. والحلول غائبة
وتسائل خبراء: هل يستطيع العراق إنقاذ نهر الفرات من التدهور البيئي والانكماش المستمر؟ فالمعادلة معقدة، إذ تتداخل فيها التغيرات المناخية العالمية، والسياسات المائية الإقليمية، وضعف البنية التحتية المحلية.
لكنهم أكدوا أن بينما تواصل النباتات الغازية والطحالب والبكتيريا ابتلاع مساحات أوسع من مجرى النهر، تبدو الحلول الجذرية بعيدة المنال، ما ينذر بمستقبل مائي غامض للبلاد وسكانها.






