في غزة، لم تعد معاناة مرضى السكري تقتصر على مواجهة مرض مزمن يحتاج إلى متابعة وعلاج منتظم، بل أصبحت رحلة يومية محفوفة بالخوف والقلق بحثًا عن جرعة دواء قد تفصل بين الحياة والموت، ومع استمرار الحصار وتداعيات الحرب وتراجع الإمدادات الطبية، يجد آلاف المرضى أنفسهم أمام واقع قاسي تتراجع فيه فرص الحصول على الإنسولين وأدوات الفحص الأساسية، بينما تتزايد المخاطر الصحية التي تهددهم في كل لحظة.
وأصبحت جرعة الإنسولين أمنية يومية، لمرض السكري الذين يواجهون معركة بقاء مفتوحة، وهذا هو واقع آلاف المرضى في غزة، الذين يعيشون بين الخوف من نفاد الدواء والقلق من مضاعفات قد تداهمهم في أي لحظة، وسط تدهور المنظومة الصحية ونقص الإمدادات الطبية، حيث باتت كل جرعة دواء تحمل معنى الحياة، فيما يواجه المرضى وأسرهم أيامًا ثقيلة من الانتظار والترقب وسط أزمة إنسانية تتفاقم يومًا بعد آخر.
تداعيات استمرار القيود على دخول الأدوية
وتؤكد المنظمات الدولية العاملة في المجال الصحي أن تدهور المنظومة الصحية واستمرار القيود على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية يفاقمان المخاطر على أصحاب الأمراض المزمنة، حيث تشير التقارير الإنسانية إلى أن انهيار الخدمات الأساسية واستمرار النزوح وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود يزيد من التحديات الصحية التي تواجه المرضى ويهدد استمرارية الرعاية الطبية المقدمة لهم.
ويطالب أطباء ومؤسسات صحية بضرورة إدخال كميات كافية من الإنسولين وشرائط الفحص والأجهزة الطبية الخاصة بمرضى السكري بشكل عاجل، محذرين من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع أعداد المضاعفات والوفيات بين المرضى، خاصة الأطفال وكبار السن.
وفي ظل استمرار الأزمة الإنسانية والصحية غير المسبوقة في قطاع غزة، يبقى مرضى السكري من أكثر الفئات هشاشة، في غزة، فهم لا يبحثون عن رفاهية العلاج أو جودة الحياة، بل عن حقنة إنسولين قد تعني يوماً إضافياً من الحياة.
والد طفل مريض بالسكر: نحلم جرعة أنسولين
ومع استمرار الأزمة، تتحول كل جرعة مفقودة إلى تهديد حقيقي لحياة إنسان، وكل يوم يمر دون حل إلى معاناة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الألم الذي يعيشه سكان القطاع منذ بداية حرب انطلقت قبل 3 سنوات ولا تزال مستمرة وحصار يقترب من إتمام عقده الثاني دون انفراجة حقيقية.
ميدانيًا، المواطن “أبو هادي”، وهو والد لطفل يبلغ من العمر 12 عاماً مصاب بالسكري من النوع الأول، يقول إن أسرته تعيش حالة قلق دائمة مع كل جرعة إنسولين يحصل عليها ابنه. فضلا عن أنه ينتظر ساعات طويلة حتى يجد الدواء، وأحياناً يضطر لتقليل الجرعات خوفاً من نفاده بالكامل، مشيراً إلى أن أكثر ما يخيفه أن يدخل ابنه في غيبوبة بسبب عدم توفر العلاج. حسب المركز الفلسطيني للإعلام.
الظروف المعيشية داخل مراكز النزوح والخيام – وفقا لأبو هادي – تجعل من الصعب حفظ الإنسولين بدرجات حرارة مناسبة، ما يهدد بفقدان فعاليته.
معاناة 11 ألف مريض سكري
أما المريضة أم أحمد (48 عاماً)، فتؤكد أنها تعاني منذ أشهر للحصول على العلاج اللازم: “قبل الحرب كنت أراجع العيادة وأحصل على الدواء بسهولة، أما اليوم فأقضي أياماً أبحث عن الإنسولين أو شرائط الفحص، وأحياناً أبقى دون قياس السكر لشهر كامل”.
وترى أن المشكلة ليست فقط في الدواء، بل في الغذاء أيضا، مؤكدة أنها لا تستطيع الالتزام بالحمية المناسبة، في ظل واقع يكون فيه كل ما يتوفر من طعام يرفع مستوى السكر في الدم ويعد غداء غير مناسب لمريض السكر.
وأكدت وزارة الصحة في غزة، أكثر من مرة، أن نقص الأدوية والمستهلكات الطبية وصل إلى مستويات خطيرة، فضلا عن أن غياب حقن الإنسولين يفاقم معاناة نحو 11 ألف مريض سكري يعتمدون على العلاج بشكل منتظم. كما حذرت الوزارة من نفاد مئات الأصناف الدوائية الأساسية في المستشفيات والمراكز الصحية.
مخاطر صحية متزايدة
وفي تقرير سابق للوزارة، جرى التحذير من أن ما بين 70 و80 ألف مريض سكري في قطاع غزة يواجهون مخاطر صحية متزايدة نتيجة النقص الحاد في الإنسولين وشرائط فحص السكر وتراجع الخدمات الطبية وسوء التغذية.
من جانبها، أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” وجود نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، وعلى رأسها الإنسولين، بسبب استمرار الحصار وتراجع الإمدادات الطبية الواصلة إلى القطاع.
وتكشف تقارير طبية أن نحو 2500 طفل في غزة يعانون من السكري من النوع الأول، ويواجه كثير منهم صعوبات متزايدة في الحصول على الإنسولين وحفظه بصورة آمنة، خاصة مع انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد المناسبة.




