صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة على «إعلان نيويورك»، في خطوة وصفت بأنها الأكثر وضوحاً منذ سنوات تجاه ترسيخ مسار لا رجعة فيه نحو حلّ الدولتين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. التصويت الذي حظي بتأييد 142 دولة، مقابل معارضة 10 وامتناع 12 عن التصويت، عكس عزلة إسرائيل والولايات المتحدة ومعهما مجموعة محدودة من الدول الرافضة للمسار الجديد، في مقابل تأكيد دولي واسع على مركزية القضية الفلسطينية وضرورة إنهاء معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
تفكيك هيمنة حركة حماس
الإعلان الذي رعته السعودية وفرنسا يشكل خلاصة «المؤتمر الدولي للتسوية السلمية لقضية فلسطين» الذي عُقد في يوليو الماضي، وهو يضع خريطة طريق تفصيلية تتجاوز الشعارات التقليدية إلى خطوات عملية ومحددة زمنياً، بدءاً من وقف الحرب في غزة، ومروراً بتوحيد القطاع مع الضفة الغربية تحت إدارة السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى الاعتراف بدولة فلسطين كعضو كامل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. ويستند الإعلان إلى رأي محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، الذي اعتبر الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، ما يمنحه زخماً قانونياً وأخلاقياً إضافياً.
تضمن «إعلان نيويورك» عناصر جديدة أبرزها إنشاء «بعثة أممية لتحقيق الاستقرار» في غزة، لحماية المدنيين وضمان تنفيذ وقف إطلاق النار ومساندة السلطة الفلسطينية في بسط سلطتها على القطاع، بما يكرّس معادلة «دولة واحدة، حكومة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد». وهو بذلك يفتح الباب أمام تفكيك هيمنة حركة حماس العسكرية على غزة، ضمن ترتيبات انتقالية قصيرة الأمد، مدعومة بضمانات إقليمية ودولية. كما ينص على انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة، وإطلاق الأسرى والرهائن، وإعادة رفات القتلى، وتقديم مساعدات إنسانية واسعة النطاق.
ترحيب دولي
الوثيقة لم تقتصر على غزة، بل أولت أهمية للأوضاع في الضفة الغربية، حيث شددت على إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم الاقتصاد الفلسطيني المتضرر من الحرب والاستيطان والقيود الإسرائيلية، بما يهدف إلى خلق بيئة قادرة على استيعاب عملية بناء الدولة. كما عالجت الوثيقة قضايا الحل النهائي، من القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، إلى قضية اللاجئين، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم ضمن حدود 1967.
الترحيب الدولي بالخطوة بدا لافتاً، إذ اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن اعتماد الإعلان يمثل بداية «مسار لا رجعة فيه» نحو السلام، مؤكداً أن باريس والرياض ستقودان الجهود الدولية لتحويل الوثيقة إلى خطة قابلة للتنفيذ خلال القمة المرتقبة في 22 سبتمبر الجاري. على الجانب الفلسطيني، وصف حسين الشيخ الإعلان بأنه انتصار للإرادة الدولية ورسالة واضحة على دعم حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، فيما دعت وزارة الخارجية الفلسطينية إلى تحويل القرارات إلى آليات ضغط فعلية على إسرائيل لوقف الحرب على غزة ووقف سياسة التجويع والتهجير القسري.
معارضة أميركية ـ إسرائيلية
لكن التحدي الأساسي يبقى في التنفيذ، إذ سبق أن اعتمدت الأمم المتحدة عشرات القرارات المؤيدة للحقوق الفلسطينية من دون أن تجد طريقها إلى التطبيق. الفارق هذه المرة أن «إعلان نيويورك» جاء مقروناً بآليات عملية، وجدول زمني، ودعم واضح من قوى دولية وازنة كفرنسا والسعودية، إلى جانب الغطاء القانوني لرأي محكمة العدل الدولية. مع ذلك، تبقى العقبات كبيرة في ظل معارضة أميركية ـ إسرائيلية معلنة، وعدم وضوح آفاق التوافق الداخلي الفلسطيني حول ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
يمثل «إعلان نيويورك» نقطة تحول في التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية، إذ يضع لأول مرة منذ سنوات إطاراً متكاملاً لإقامة الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال ضمن خطة محددة الملامح. وإذا ما نجحت الأطراف الراعية في تحويل هذا المسار إلى التزام عملي، فقد يشكل الإعلان بداية تغيير جوهري في قواعد اللعبة، ونقلة من إدارة الصراع إلى محاولة حقيقية لحله.






