التوغل الإسرائيلي الأخير في عمق مدينة غزة يعكس مرحلة جديدة من الحرب الممتدة منذ نحو عامين، حيث انتقلت العمليات العسكرية من الضواحي والمناطق الحدودية إلى قلب الأحياء السكنية الأكثر كثافة، مثل الصبرة وتل الهوى والشيخ رضوان وحي النصر. هذا التطور لا يعني فقط اتساع رقعة المعارك، بل يكشف أيضاً عن محاولة الجيش الإسرائيلي فرض واقع ميداني جديد يهدف إلى السيطرة المباشرة على مركز المدينة ومحيطها الغربي، حيث يتمركز مئات الآلاف من المدنيين الذين باتوا محاصرين بين الدبابات والقصف الجوي والبحري.
انهيار شبه كامل للبنية الصحية
الأرقام التي أوردتها وزارة الصحة الفلسطينية تظهر أن الكلفة الإنسانية تجاوزت حدود الاحتمال، إذ قفزت حصيلة القتلى إلى أكثر من 66 ألف شخص، بينهم آلاف ممن قضوا جوعاً أو في طوابير المساعدات، بينما بلغ عدد المصابين أكثر من 168 ألفاً. هذه الأعداد لا تعكس فقط حجم العنف العسكري، بل تكشف عن انهيار شبه كامل للبنية الصحية في القطاع، إذ توقفت عدة مرافق طبية عن العمل، وجرى إغلاق مراكز علاج سوء التغذية، فيما تشير شهادات الدفاع المدني إلى وجود أعداد غير معروفة من الضحايا تحت الأنقاض من دون قدرة على انتشالهم بسبب استمرار القصف ورفض السلطات الإسرائيلية لطلبات الإجلاء الإنسانية.
من الناحية السياسية، يبدو أن الميدان يضغط بقوة على محادثات التهدئة التي يكثر الحديث عنها في العلن. إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن غزة، قبل لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدية المبادرات المطروحة، خصوصاً في ظل تأكيد حركة «حماس» أنها لم تتلق أي مقترح جديد من الوسطاء. الدور المصري والأميركي يبقى حاضراً في خلفية المشهد، لكن وتيرة التصعيد الميداني تعكس هشاشة أي محاولة لتثبيت هدنة قريبة.
هجمات جوية مكثفة
المشهد الميداني لا يقتصر على التوغلات البرية، بل يشمل أيضاً هجمات جوية مكثفة؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي عن قصف 140 هدفاً في غضون 24 ساعة، قال إنها مواقع عسكرية، بينما تحدثت المصادر الطبية عن سقوط عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في منازل دمرت على ساكنيها. هذه المعادلة المزدوجة بين الخطاب العسكري الإسرائيلي والواقع الإنساني على الأرض، تزيد من اتساع الهوة بين الرواية الرسمية والحقائق الميدانية التي توثقها وكالات الإغاثة والمنظمات الدولية.
النتيجة المباشرة لهذه العمليات تتجلى في النزوح الجماعي. فبحسب برنامج الأغذية العالمي، اضطر ما بين 35 إلى 40 ألف فلسطيني إلى مغادرة مدينة غزة خلال الشهر الأخير، لكن مئات الآلاف لا يزالون عالقين في المدينة من دون مأوى أو إمدادات كافية. تقديرات الجيش الإسرائيلي بوجود نحو مليون فلسطيني داخل المدينة في أغسطس الماضي، تكشف أن أي عملية عسكرية واسعة لن تكون مجرد مواجهة مع مجموعات مسلحة، بل مع مدينة كاملة مأهولة بملايين المدنيين المحاصرين.
تآكل القدرة المعيشية
يتضح أن معركة غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بحتة، بل باتت أزمة مركبة ذات أبعاد إنسانية وسياسية عميقة. فبينما يسعى الجيش الإسرائيلي إلى فرض معادلة جديدة على الأرض من خلال التوغلات البرية والضغط العسكري، تتآكل القدرة المعيشية والصحية لسكان القطاع بسرعة مقلقة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب بين وعود الوساطة ومتطلبات وقف نزيف الدم. بهذا المعنى، فإن ما يجري في غزة اليوم ليس فقط استمراراً للحرب، بل تصعيداً يهدد بفتح فصل أكثر مأساوية في تاريخها الحديث.






