أكد المبعوث الأميركي توماس برّاك، أن الولايات المتحدة مستمرة في دعم لبنان على طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها الداخلي والخارجي، مشدداً على أن بلاده «ترى في السلام مع الجيران، ولا سيما إسرائيل وسوريا، خياراً ضرورياً لحماية استقرار لبنان والمنطقة».
تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل
في رسالة نشرها عبر منصة «إكس»، أوضح برّاك أن واشنطن تدعم الجهود اللبنانية في ما يخص تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والذي نصّ على نزع سلاح «حزب الله» وحصر السلاح في يد الأجهزة الأمنية الرسمية وحدها.
واعتبر أن هذه الخطوة «تمثل نقطة تحول في تاريخ لبنان المعاصر، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السلام الداخلي والإقليمي».
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه الضغوط المحلية والدولية على «حزب الله» للتخلي عن ترسانته العسكرية، بعد الضربة القاسية التي تلقاها في المواجهة العسكرية مع إسرائيل العام الماضي.
وأسفرت تلك الحرب عن مقتل عدد كبير من قادته البارزين، بينهم الأمين العام السابق حسن نصر الله، قبل التوصل إلى الهدنة بوساطة أميركية.
بنود الهدنة والتزامات لبنان
الاتفاق المبرم عام 2024 ألزم الدولة اللبنانية بعدم السماح بانتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وحصره في ستة أجهزة أمنية حكومية فقط.
كما نصّ على منع أي عمليات لإعادة تسليح الميليشيات أو الجماعات غير الحكومية، في إطار رؤية شاملة لإعادة هيكلة القطاع الأمني وإرساء سلطة الدولة.
“برّاك” شدّد على أن واشنطن ستقف إلى جانب لبنان في مساعيه لإعادة بناء مؤسسات الدولة، عبر برامج دعم اقتصادي وأمني، فضلاً عن تشجيع الاستثمارات وإعادة الثقة بالاقتصاد المحلي.
ولفت إلى أن إعادة بناء مؤسسات الدولة «لن تكتمل من دون معالجة ملف السلاح خارج الشرعية»، داعياً القوى السياسية إلى التكاتف من أجل مصلحة البلاد.
رسائل طمأنة للبنانيين
أشار المبعوث الأميركي إلى أن اللبنانيين «عانوا كثيراً من الانقسامات والحروب»، وأن الوقت قد حان لتثبيت دعائم الدولة القادرة والعادلة. كما أكد أن بلاده ستواصل لعب دور الوسيط بين لبنان وجيرانه، لتقريب وجهات النظر وضمان أمن الحدود الجنوبية.
وربط برّاك بين استقرار لبنان وبين إيجاد سلام أوسع في المنطقة، معتبراً أن نجاح بيروت في نزع فتيل الأزمات الداخلية سيعزز موقعها كجسر للحوار في الشرق الأوسط.
وقال إن «الولايات المتحدة تشجع جميع الأطراف على انتهاج الحوار كسبيل وحيد لتجاوز الصراعات، بعيداً عن منطق السلاح والعنف».
واشنطن تسعى لفرض معادلة جديدة
يرى الباحث في الشؤون الإقليمية الدكتور سامي الحاج، أن تصريحات برّاك تعكس رغبة أميركية في فرض معادلة جديدة تقوم على «تقليص نفوذ السلاح غير الشرعي»، وربط أي مساعدات للبنان بمدى التزامه بتنفيذ اتفاق الهدنة.
من جانبه، قال العميد المتقاعد ناصر ياسين إن تطبيق الاتفاق لن يكون ممكناً من دون ضبط كامل للحدود مع سوريا وإسرائيل، ومنع تهريب السلاح. وأشار إلى أن المجتمع الدولي سيطالب بيروت بخطوات عملية لإثبات قدرتها على فرض السيادة.
أما الخبير الاقتصادي الدكتور زياد مرتضى، فشدد على أن إعادة بناء الدولة اللبنانية لن تتحقق إلا إذا استعاد النظام المالي ثقة الداخل والخارج، موضحاً أن الاستقرار الأمني شرط أساسي لتشجيع الاستثمارات والمساعدات الدولية.
مستقبل «حزب الله» على المحك
اعتبر الباحث الاستراتيجي مازن العلي، أن «حزب الله» يواجه لحظة مصيرية، إذ أن الضغوط الدولية والإقليمية تجعله أمام خيارين: إما الاندماج في الدولة كقوة سياسية فقط، أو مواجهة عزلة متزايدة قد تهدد وجوده.
وختم الأكاديمي الدكتور جاد نجم بالقول إن لبنان أمام «فرصة تاريخية» لبناء دولة حديثة وفعالة، لكن المخاطر كبيرة إذا لم يتم التوصل إلى توافق داخلي شامل. وأكد أن أي مشروع لإعادة بناء الدولة من دون حوار لبناني–لبناني سيكون هشاً وعرضة للانهيار.






