في توقيت بالغ الحساسية، شنت روسيا موجة جديدة من الغارات الجوية على عدة مدن أوكرانية مستخدمة طائرات مسيّرة وصاروخًا واحدًا على الأقل، في هجوم أسفر عن مقتل زوجين قرب العاصمة كييف، بعد يوم واحد فقط من مقتل خمسة أشخاص في هجوم استهدف قطار ركاب. اللافت في هذه الضربات ليس فقط اتساع رقعتها الجغرافية، بل تزامنها مع اقتراب جولة جديدة من محادثات السلام المقرر عقدها نهاية الأسبوع، ما يثير تساؤلات حول الرسائل السياسية والعسكرية التي تسعى موسكو إلى إيصالها.
ضرب المدنيين ورسائل القوة
بحسب مسؤولين أوكرانيين، أسفرت الغارات التي وقعت ليل الأربعاء عن إصابة أربعة أشخاص، بينهم طفلان، احتاجوا إلى علاج طبي، في حين طالت الهجمات مناطق سكنية في أكثر من مدينة. الرئيس فولوديمير زيلينسكي دان بشدة استهداف مبنى سكني قرب كييف، إضافة إلى ضربة بصواريخ قصيرة المدى استهدفت ما وصفه بمنطقة خالية من أي أهداف عسكرية في مدينة زابوروجيا جنوب البلاد.
زيلينسكي، الذي بات يوازن في خطابه بين الصمود العسكري والرهان السياسي على الدعم الغربي، توعّد بالرد «بشكل عادل» على هذه الهجمات، في إشارة إلى أن كييف لا تنوي الفصل بين مسار التفاوض ومسار المواجهة. فبالنسبة للقيادة الأوكرانية، لا يمكن لأي محادثات سلام أن تُبنى فيما تستمر الضربات ضد المدنيين والبنية التحتية.
جبهة الجنوب والبحر الأسود… تصعيد بلا أفق
لم تقتصر الضربات الروسية على محيط العاصمة، بل شملت مدينة أوديسا الساحلية الاستراتيجية، إلى جانب مدينة كريفي ريه في وسط البلاد. ويشير مراسلون ميدانيون إلى أن وتيرة الهجمات على أوديسا تصاعدت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مع عودة الصراع حول البحر الأسود إلى الواجهة بعد فترة من الجمود.
الضربة الأوسع التي شهدتها المدينة في 13 ديسمبر/كانون الأول، والتي استخدمت فيها روسيا نحو 160 طائرة مسيّرة وصاروخًا لاستهداف البنية التحتية للطاقة، شكلت نقطة تحول. فقد أدت إلى انقطاع المياه والكهرباء عن مناطق واسعة لأيام، وفتحت الباب أمام مرحلة من الهجمات شبه اليومية، ما جعل الجنوب الأوكراني ساحة استنزاف طويلة الأمد، تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
واشنطن والبحث عن «القضية المستحيلة»
على الضفة الدبلوماسية، أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بصعوبة المسار التفاوضي، معتبرًا أن قضية إقليم دونيتسك تمثل العقدة الأشد تعقيدًا في أي تسوية محتملة. وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، قال روبيو إن الجهود الجارية نجحت في «حصر الصراع في قضية مركزية واحدة»، لكنه حذر من أن الفجوة لا تزال كبيرة.
تصريحات روبيو تعكس إدراكًا أمريكيًا بأن مطلب موسكو بتنازل كييف عن أراضٍ في شرق البلاد يصطدم بخط أحمر أوكراني، يصعب تجاوزه دون أثمان سياسية داخلية باهظة. كما ألمح إلى احتمال مشاركة أمريكية محدودة في الجولة المقبلة من المحادثات، مقارنة بالجولة السابقة التي شهدت حضورًا لافتًا لمبعوثي دونالد ترامب، في أول لقاء مباشر بين مسؤولين روس وأوكرانيين ضمن إطار الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب.
الشتاء كسلاح إضافي
إلى جانب القصف، يواجه الأوكرانيون تحديًا آخر لا يقل قسوة: الشتاء. نائب برلماني بارز حذّر من أن الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون شديدة الصعوبة، مع انخفاض درجات الحرارة واستمرار الهجمات الروسية على شبكة الطاقة. رئيس لجنة الطاقة في البرلمان، أندريه جيروس، أوضح أن ملايين المواطنين حُرموا بالفعل من الكهرباء والتدفئة، في وقت يُتوقع فيه وصول موجات صقيع جديدة.
ورغم هذا المشهد القاتم، حاول جيروس بث قدر من التفاؤل، مشيرًا إلى أن تحسن الطقس وازدياد ساعات النهار لاحقًا قد يخفف الضغط، خاصة مع زيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية. لكن هذا الأمل يبقى مشروطًا بقدرة الشبكة المتهالكة على الصمود أمام الضربات المتواصلة.
العقوبات و«أسطول الظل»… معركة خلف خطوط النار
في موازاة المعركة العسكرية، تكثف كييف تحركاتها الدبلوماسية، مطالبة الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد ما يُعرف بـ«أسطول الظل» الروسي، وهو شبكة من ناقلات النفط القديمة تُستخدم للالتفاف على العقوبات الدولية. وخلال زيارة إلى برلين، شدد فلاديسلاف فلاسيوك، الممثل الخاص للرئاسة الأوكرانية لشؤون العقوبات، على أن استمرار تدفق النفط عبر هذا الأسطول يفرغ العقوبات من مضمونها.
فلاسيوك استشهد بتجربة الولايات المتحدة في التعامل مع ناقلات نفط مرتبطة بفنزويلا، داعيًا إلى خطوات «فعلية وحازمة» مماثلة. كما لفت إلى أن وجود مكونات غربية في الأسلحة الروسية دليل على تحايل موسكو المستمر، معتبرًا أن تشديد الخناق الاقتصادي هو السبيل الوحيد لدفع روسيا نحو تنازلات حقيقية على طاولة المفاوضات.
بين القصف والتفاوض… سلام مؤجل
ما بين الغارات الليلية والتصريحات الدبلوماسية، يبدو أن أوكرانيا تدخل مرحلة دقيقة، حيث يتقاطع المسار العسكري مع السياسي دون أن يلغيه. فالهجمات الروسية، بدل أن تمهّد للسلام، تعمّق الشكوك حول نوايا موسكو، فيما تحاول واشنطن وحلفاؤها إبقاء باب التفاوض مفتوحًا من دون تقديم تنازلات جوهرية.
في هذا السياق، تبدو محادثات السلام المقبلة أقرب إلى اختبار نوايا منها إلى اختراق حاسم، بينما يبقى المدنيون الأوكرانيون، مرة أخرى، في قلب معادلة قاسية، يدفعون ثمن حرب لم تقترب نهايتها بعد.






