أثارت التصريحات المتلاحقة لكبار المسؤولين في طهران بشأن إعلان “الملكية والسيادة المطلقة” لإيران على مضيق هرمز الإستراتيجي موجة من القلق الإقليمي والدولي، واعتبرها مراقبون تحولاً يتجاوز مجرد محاولات تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني إلى الكشف عن طموحات جيوسياسية قديمة تزامناً مع الضربات العسكرية الأمريكية العنيفة التي تستهدف الداخل الإيراني. فبينما تؤكد طهران أن إغلاق المضيق وإدارته باتا قراراً سيادياً ثابتاً، يرى خبراء دوليون أن الخطوة تفتقر للغطاء القانوني الدولي وتمثل محاولة لفرض أوراق ضغط نوعية قبل أي مفاوضات مستقبلية مع واشنطن.
“إنجاز حرب الـ40 يوماً”: قرار سيادي غير قابل للتفاوض
جاءت المواقف الإيرانية الرسمية مرتفعة السقف لتربط السيطرة على الممر المائي الحيوي بنتائج المواجهات العسكرية الأخيرة:
تصريح ولايتي الحاسم: أكد مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، أن مضيق هرمز ملك لإيران بالكامل، مشدداً على أن أي قوة في العالم لن تستطيع سلب طهران سيادتها عليه. وأوضح ولايتي أن المضيق خضع للسيادة الإيرانية بقرار مباشر من المرشد الأعلى كأحد أبرز إنجازات ما وصفها بـ “حرب الـ40 يوماً”.
تهديدات الإغلاق العسكري: نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن متحدث باسم الجيش قوله إن القوات المسلحة قادرة على فرض سيطرتها الميدانية على كل شبر في المضيق انطلاقاً من الأراضي الإيرانية، متوعداً بإبقاء الممر المائي مغلقاً بالكامل أمام حركة الملاحة “ما لم تعترف الولايات المتحدة بالنظام الإيراني القائم على سيادة القانون”، على حد تعبيره.

رؤية طهران الجغرافية: المضيق بين ضفتي إيران وعُمان فقط
تستند القراءة الإيرانية لملكية المضيق إلى تفسيرات خاصة بالقوانين البحرية وتداخل المياه الإقليمية مع الجيران:
إجماع داخلي: يرى رئيس مراكز الأبحاث والدراسات في إيران، عماد أبشناس، أن تصريحات ولايتي تعبر عن رؤية فعلية وقرار حكومي وعسكري موحد يحظى بإجماع الصقور والحمائم والشارع الإيراني، ويقوم على مبدأ عدم التفريط في السيطرة الميدانية التي فرضتها طهران بالقوة عقب الحرب.
إقصاء باقي دول الخليج: يجادل أبشناس بأن مضيق هرمز يقع قانونياً ضمن المياه الإقليمية المتداخلة لكل من إيران وسلطنة عُمان فقط، وبالتالي فإن ملكيته وإدارته تنحصران بين البلدين. وبحسب رؤيته، فإن بقية دول الخليج تمتلك حقوقاً محدودة في المضيق بموجب قانون الجرف القاري للدول المتشاطئة، لكنها لا تملك أي حقوق سيادية بموجب القوانين البحرية الأخرى.
القانون الدولي والموقف الأمريكي: “ورقة ضغط تفتقر للشرعية”
في المقابل، يرى الجانب الأكاديمي العربي والخبراء الغربيون أن الإعلان الإيراني يندرج تحت لافتة الحرب النفسية ومحاولة حشد الأوراق الإستراتيجية:
عدم قانونية الإغلاق: يوضح أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية، د. حسن البراري، أن الإعلان الإيراني يمثل رؤية التيار المتشدد في طهران الذي يحاول إضفاء القداسة على قرارات المرشد الأعلى، لكنه يشدد على أن هذه المطالب غير قانونية؛ كون هرمز مضيقاً دولياً يخضع لأحكام القانون الدولي التي تمنع أي دولة من حظر أو منع حركة “المرور البريء” للسفن التجارية.
المضيق كـ “بديل للقنبلة النووية”: يعتقد البراري أن إيران أدركت القيمة الجيوسياسية الهائلة للمضيق خلال الحرب الحالية حتى باتت تتعامل معه بمثابة “قنبلة نووية” قادرة على إجبار الأمريكيين على تقديم تنازلات كبرى، لذا تعمد إلى رفع سقف مطالبها للحصول على مكاسب ثمينة في حال العودة إلى طاولة المفاوضات.
الرفض القاطع من واشنطن: من جهته، يشير خبير الأمن والإستراتيجية العسكرية الأمريكي، ريتشارد وايتز، إلى أن هذه التطلعات الإيرانية للسيطرة على مياه الخليج العربي وممراته الملاحية لم تكن مفاجئة للإدارة الأمريكية، مؤكداً في الوقت ذاته أن واشنطن وحلفاءها لن يقبلوا بتمرير هذا الواقع الجديد أو السماح بتهديد مصالحهم الإستراتيجية في المنطقة، مما يعني بقاء خيار الصدام العسكري مفتوحاً لضمان حرية التجارة العالمية.






